النخبة المتأسلمة أصل الداء

الجمعة 2015/08/28

تسعى النخب المتأسلمة ممتطية عبارة إسلام/ غرب كثنائية فصل تقابلي إلى عقد تعارض أبدي بين الحداثة والعالم العربي الإسلامي. تخلق غربا واحدا موحدا، لا يفتأ في التآمر على العرب والإسلام والمسلمين. لم تسلم حتى العلوم والفلسفات وعلوم النفس والمجتمع من التشويه، فقد وضعت لمحاربة دين الإسلام في نظر هؤلاء المتبجحين والكثير من الذين سقطوا في شباكهم. أستغرب تلك السهولة وتلك السذاجة التي يتنازل بها هؤلاء عن تراث الإنسانية كله للغرب، فليست الحداثة ثقافة أحد بالذات وليست ملكا لأحد دون سواه. هي مشروع ساهم فيه كل أبناء الإنسانية بما فيهم العرب والمسلمين.

وبناء على ذلك لا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يكون التناوب على الحكم وحقوق بني آدم وآدمية النساء وحق الإنسان في امتلاك جسده، مقصورة كلها على الغرب وحده. لقد غدت بديهيات لا تحتاج تبريرا لقبولها والعمل بها.

لا توجد اليوم حقوق إنسان ملغاشية أو أسبانية أو عربية. هناك حقوق للإنسان لم يبتدعها مشرع ولم يتكرم بها أحد على المواطن بل هي اليوم حقوق تتمتع بوجود قانوني مسبق، لا تفاوض حولها، وما على المشرع إلا احترامها في كل زمان ومكان لأنها قيم عليا لا يختلف فيها عقلان سليمان. كيف يمكن أن يقبل إنسان هذا العصر ومهما كان جنسه وبلده ودينه أن يعقد استفتاء أو تقام بيعة أو تجرى انتخابات لإعطائه حريته أو حرمانه منها؟

لماذا يتبنى المتأسلمون بيسر وسرور الجيل الأخير من الهواتف الخلوية ويعسر عليهم هضم الجيل الأول من حقوق الإنسان بدعوى أنها غربية؟

يمكن الحديث عن بعض سوء فهم، عن أخطاء كثيرة ارتكبها بعض الغرب ولا يزال. أما اجترار كلام عن احتمال تصادم حضاري بين الإسلام والغرب، فهو من باب الإنشاء، لأن ذلك التعارض الموهوم إسلام/ غرب الذي يثقل المخيلة العربية الإسلامية ما هو في حقيقة الأمر سوى وهم مصطنع يبتغي منه المتأسلمون دغدغة ضمائر الوعي الشقيّ المصدومة بضربات الحداثة الموجعة.

إنه رد سحري تجاه انتصار الحداثة المدوي في كل نواحي الحياة لدى الغرب. فمنذ قرابة القرن والإخوان يضعون العصا في العجلة بوضعهم الغرب في قفص الاتهام معلنين بذلك الحرب على قيم الحداثة الذهنية والرمزية وكادوا ينجحون في إقناع الأغلبية أن تلك القيم الكونية ليست متناقضة مع التقاليد الإسلامية فحسب، وإنما هي في حرب صليبية ضد كل ما هو إسلامي! أما في السر ومن أجل الوصول إلى الحكم فلم ينقطعوا عن الاقتراب من هذا الغرب. ومن الباحثين من يقول أنهم من صنع الغرب ذاته مثل مؤسس جماعة الجهاد التائب نبيل نعيم.

وهكذا توصلوا في بلدان كثيرة وفي غياب تام للسلطات أو بتواطؤ معها أحيانا إلى خلق جو مكهرب يؤثر سلبا على صغار السن، فتنتابهم أزمات ميتافيزيقية مبكرة جدا، سرعان ما تتحول إلى حماس ديني يرمي بهم في أغلب الأحيان بين أحضان التطرف والإرهاب. ولا تفعل داعش اليوم سوى جني ما زرعه الإخوان وأصدقاؤهم منذ عشرات السنين.

كاتب من الجزائر

14