النخبة المصرية بين شيماء وسيناء

الاثنين 2015/02/02

المحن والأزمات التي تمر بها الدول، من أهم الاختبارات التي تبين معادن الشعوب والقيادات. وخلال الفترة الماضية مرت مصر بسلسلة من هذه وتلك، الأمر الذي وضع قوى سياسية ونخبا ثقافية على محكّ قاس، كشف إلى أي درجة يمكن أن يختلف البعض في مواقفه، وتظهر تناقضاته جلية للعيان دون أن يشعر بالحرج، أو يسعى إلى تصحيحها، حيث طغت الحسابات الشخصية على الوطنية.

حتى لا أكون كمن يسبح في الفضاء، سأتوقف عند حادثتين مهمتين، وقعتا الأيام الماضية، الأولى استشهاد الفتاة شيماء الصباغ، عضو حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، التي لقيت حتفها برصاصات خرطوش أثناء تظاهرة كانت تشارك فيها بوسط القاهرة الأسبوع الماضي، والثانية مصرع عشرات العسكريين والمجندين، في عملية إرهابية بشعة بشمال سيناء، استهدفت معسكرات أمنية.

الحادثتان فتحتا الباب لإشكالية كبيرة، تتعلق بموقع الحريات وقبضة الأمن، في زمن التوترات والقلاقل، التي تغذيها عوامل إجرامية، فهناك نخبة ثقافية وسياسية تعتقد أن الأولى متقدمة على الثانية، وهناك فئة ترى العكس، لذلك فالسؤال الكبير المطروح بإلحاح في مصر الآن، أيهما يتقدم على الآخر؟ وهل يمكن الجمع بين الضرب بيد من حديد، وترك الأبواب مفتوحة على مصراعيها أمام الحريات؟

قطاع كبير من النخبة المصرية، سقط في فخ هذه الإشكالية، لأنه نظر إلى المعادلة بصورة “صفرية”، بمعنى أن مكاسب الحريات حتما تكون على حساب الأمن، والعكس صحيح. ووفقا لهذه النظرية، فمكاسب طرف تعتبر خسائر للطرف الآخر. وعقب مصرع الفتاة شيماء، انهالت مقالات وتصريحات من قطاع ينتمي إلى تيار اليسار في مصر، تؤكد عدم المساس بحريات التظاهر، تحت أي ظرف، وضرب عرض الحائط بالقانون الذي ينظمه، وطالب أصحابها بإلغائه، وهناك من زايد وناشد بتجاهله تماما، وقبل أن تكشف التحقيقات الجاني الذي ارتكب الجريمة، حملت هذه الأقلام والأفواه جهاز الأمن مسؤولية استشهاد شيماء.

في المقابل، لم تتوقف أصوات إعلامية وسياسية، محسوبة أكثر على اليمين، وأخرى قريبة من الحكومة، عن توجيه الاتهامات للفتاة التي لقيت حتفها، بأنها اخترقت قانون التظاهر، حتى لو كانت تحمل سلة من الورود لتهديها لأرواح شهداء ثورة 25 يناير، وحاول أصحاب هذه الأصوات تقديم المبررات لأجهزة الأمن، مع أن التحقيقات لم تؤكد تورطها.

الفريقان وقعا في تناقض فاضح، فالثاني الذي استخدم التحريض وسيلة لتخويف مناصري الحريات، وبرر لأجهزة الأمن إقدامها على أية تجاوزات في ظروف التوتر والقلق، نظر لحقوق الإنسان والحريات نظرة قاصرة، واعتبرها من الرفاهيات، ومن الواجب عدم الاعتداد بها تماما في هذه اللحظات الحرجة، وبالغ البعض في أوصافه القاتمة، حيث طالب بوضعها “تحت الأقدام”، وجاء حادث العريش بسيناء ليعزز قناعات هذا الفريق، فجهاز الأمن الذي تعرض لضربة موجعة، من الضروري ألا يلتفت للمتظاهرين ومطالبي توسيع نطاق الحريات بلا حدود أو ضوابط.

الفريق الثاني، المناصر بقوة للحريات، بدا خطابه قاسيا على جهاز الأمن، وكان حريصا على تشبيهه بنظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، حيث كان الأخير يستخدم القمع منهجا في التعامل مع المواطنين، ولم ير هذا الفريق أية غضاضة في العمليات التي تعرض لها، ولا يزال، جهازا الشرطة والجيش، واعتبرها ضريبة طبيعية للدفاع عن الوطن.

في الوقت التي انتفضت فيه أقلام عدد كبير من أجل الفتاة شيماء الصباغ، وحاول كثيرون تحويلها إلى أيقونة جديدة للنيل من جهاز الشرطة، خفتت أصواتهم مع الحادثة المروعة التي أودت بحياة عدد كبير من العسكريين والمدنيين، في حين ارتفعت أصوات الفريق الثاني، واستخدم ما جرى في سيناء كذريعة، للمطالبة بمزيد من العصف بالحريات.

طبعا المبالغة والتطرف هنا أو هناك، لن يفيدا البلاد، ويدخلاها في دوامة جديدة من الجدل، على الطريقة التقليدية المعروفة “العصفور أم البيضة أولا”. والمشكلة أن المسألة لا تحسب، بهذا أم ذاك، لأن الدول المحترمة، لا تستطيع أن تستغني عن الحريات أو توفير الأمن، ولعل العمليات الإرهابية التي وقعت في فرنسا مؤخرا، ومن قبلها في الولايات المتحدة، لم تزعزع ثقة الشعبين أو نخبتهما، في الحريات أو الأمن، وحتى عندما بدا أن هناك انحيازا لحساب الأمن، لم يكن ذلك بالضرورة على حساب الحريات، أو بمعنى أدق لم ينل منها إلا في حدود هامشية، سمح بها القانون.

لكن ما يجري في مصر في الوقت الراهن، شيء مرتبك، لا يوحي بالاطمئنان، حيث أدى الانقسام حيال هذه المعادلة إلى زيادة التشرذم في الساحة السياسية، وكأنه كان ينقصها حدوث استقطاب على هذه القاعدة الشائكة، التي يمكن أن يؤدي استمرارها على حال التجاذبات إلى تأثيرات سلبية، لن تفيد الأمن أو الحريات.

قياس هذا النوع من المعادلات بالقطعة، قد يفضي إلى مزيد من الارتباك، فعندما لقيت شيماء الصباغ مصرعها وسط تظاهرة سياسية، راجت معلومات من جهات أقرب إلى الرسمية، أن هناك تفكيرا في تعديل قانون التظاهر، وعندما وقع حادث العريش، ظهرت معلومات أيضا، حول فرض المزيد من الطوارئ، وهذا أدى إلى أن يرخي الاستقطاب بظلاله الغامضة على قضايا جوهرية، يتم التعامل معها وفقا للأهواء والأمزجة، لا حسب التقديرات الموضوعية، التي تفرض التعامل معها بطريقة منهجية.

الحاصل أن الحكومة المصرية أضحت مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتحديد الأولويات، وربما المفاهيم حول مجموعة من القضايا المطروحة على الساحة، وفي مقدمتها الازدواجية المصطنعة بين قبضة الأمن والحريات، لأن الأيام المقبلة قد تكون محملة بطرح هذه الاشكالية على نطاق أكثر حدة.


كاتب مصري

8