النخبة المصرية وأزمة الظهور في الصورة

استرضاء السلطة بأي ثمن وجد فيه البعض فرصة للتنصل من المسؤولية، وعدم القدرة على اتخاذ قرارات صائبة في توقيتات محددة أصاب الكثير من الهياكل بالشلل.
الاثنين 2018/03/05
من يعتني بالصورة لن يستطيع التركيز على المضمون

المطرب الراحل عبدالحليم حافظ، أشهر من دغدغوا مشاعر الناس بكلمات حماسية لحشد الدعم للرئيس جمال عبدالناصر في خمسينات وستينات القرن الماضي، وله أغنيات كثيرة أثرت في وجدان المصريين، من أشهرها “صورة صورة صورة كلنا كده عايزين صورة” التي غناها قبل نكسة يونيو 1967 بنحو عام.

الأغنية تحض على التكاتف والتضامن والمشاركة في البناء ودعم الرئيس، أتذكر هذه الأغنية كلما رأيت الكثير من النخب في مصر حاليا، سياسية وإعلامية وثقافية واقتصادية وأمنية، تريد أن تظهر في المشهد العام بأي وسيلة ودون تقديم تضحيات.

الحرص على الظهور في الصورة أو حشد الهمم وتقوية العزيمة بالأغنيات وكفى واحدة من الآفات التي يمكن الوقوف عندها لفهم الكثير مما يجري في مصر حاليا، والصورة هنا أو “الكادر” بلغة أهل الفن، مقصود به القرب من الوزراء والمسؤولين ودعم توجهاتهم، بصرف النظر عما قدم هؤلاء، المهم أن تكون الصورة جزءا من الحياة.

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يتبنى مشروعات قومية متوقع أن تنتج واقعا جديدا يغير حياة الناس، ولو تفرغت النخب المختلفة للعمل بجدية لكانت صورة مصر أفضل كثيرا، وتحاشت البلاد الوقوع في أخطاء وضعتها في خانة قاتمة على مستوى الحريات والثقافة والإعلام.

الانخراط في العمل وعدم التركيز على الصورة وفي أي زاوية منها، مسألة في غاية الأهمية، لأن تعميم ثقافة “اللقطة” يجلب خسائر تتجاوز حدود ما هو ظاهر.

نعم الصورة إحدى سمات العصر الذي نعيشه، وتلعب دورا مؤثرا في حياتنا، وعندما غنى لها وأشاد بها عبدالحليم وشجعه المسؤولون على المضي في هذا الطريق بلا عمل حقيقي، استيقظ الناس على كابوس كبير وتأكدوا أن الخداع لا يصنع مجتمعا متقدما.

اعتادت الجهات الرسمية في المناسبات الكبيرة دعوة نخب في مجالات مختلفة لحضورها، وهو أمر طبيعي ومفهوم، لكن من يدقق فيه يجد حرصا من الغالبية على الصورة بمعناها الواسع، كأن يتحرك أحدهم للفت الانتباه إليه، ويطلب آخر الكلمة ليتفوه بحديث لا علاقة له بالمناسبة، ويبتسم آخر عندما يجد الكاميرا على مقربة منه، المهم أن يكون موجودا وسط “الكادر” أو على هامشه.

في إحدى هذه المناسبات، تم توجيه الدعوة لرؤساء تحرير الصحف المصرية، وكان أحدهم خارج البلاد وشعر بالندم لغيابه، فقد فاته الوجود في القاعة الوثيرة التي جمعت نخبا متباينة، ولم يهدأ له بال إلا عندما اختلق مناسبة يوحي بها أنه لم يخرج من الصورة، وهداه خياله للترويج أن سفره كان خدمة وطنية.

شخص آخر لا يترك مهمة كبيرة أو صغيرة قام بها، إلا ويتعمد إثارة الضجيج حولها، ويضعها على مواقع التواصل الاجتماعي لمزيد من تعميم الفائدة، وقام بتشكيل ميليشيات إلكترونية جريا وراء “لقطة” إنسانية يعتقد أنها كفيلة للتغطية على فشله المهني والأخلاقي.

المشكلة أن التركيز على الصورة، حتى لو كان السيلفي سمة مرحلة، جلب معه حزمة أمراض يمكن أن تمثل سببا رئيسيا لخمول الدولة

ثقافة الصورة علامة بائسة، فليس مهما أن تعمل وتنتج وتبدع، فوجودك الحقيقي يتوقف على حضورك المادي وليس المعنوي، وما لم يكن الجسد موضوعا على أحد المقاعد في القاعة التي تسع المئات سيكتب اسم صاحبه في دفتر الغياب.

الغياب معناه الخروج من الصورة التي يتفحصها الجمهور ويعرف منها القريب والبعيد من السلطة، وتتوقف الدرجة على مكان المقعد، كلما كان في الجزء الأمامي وعلى بعد سنتيمترات من زمرة الوزراء دل أن صاحبه له حظوة ونفوذ وتأثير بالغين والعكس صحيح، أو هكذا يعتقد الناس في مصر.

التشخيص السابق بالطبع ليس المقصود به التقليل أو التهكم على أحد، لكنه يفسر الكثير من الظواهر السلبية في مصر، فقد طغى الشكل على المضمون، وتقدمت المجاملات على الاجتهادات، وأصبح استرضاء الحكومة مدخلا تتوقف عليه أقدار النخبة القريبة من السلطة.

الفئة الرافضة لهذه المعادلة انزوت بإرادتها أو أُبعدت عن الصورة قسرا، ولم تعد تتحملها طبيعة المرحلة، مع أن الحال يستوجب التعويل على الزاهدين والقادرين ليعكسوا حجم التطور والتقدم بطريقة علمية وموضوعية.

المشكلة أن التركيز على الصورة، حتى لو كان السيلفي سمة مرحلة، جلب معه حزمة أمراض يمكن أن تمثل سببا رئيسيا لخمول الدولة، مهما بلغت درجة السرعة التي يسير بها القائد. الحريصون على الشكل لا يعملون، وإن عملوا لا يبدعون، وإن أبدعوا انحرفوا أو ساروا في الاتجاه الخطأ، أعرف واحدا من هؤلاء همه نفاق المسؤولين، ما أوقعه في تناقضات كادت تعصف به، لأنه وجد صعوبة في تحقيق هذا الهدف، فعندما يريد مسؤول شيئا معينا، يجد آخر يطلب منه تنفيذ أوامر في اتجاه مضاد، وتحديد مصير شيء واحد من ثلاث جهات يتلقى عليه ثلاثة تقديرات مختلفة، ولا يعلم أيا منها الصواب.

استرضاء السلطة بأي ثمن وجد فيه البعض فرصة للتنصل من المسؤولية، وعدم القدرة على اتخاذ قرارات صائبة في توقيتات محددة أصاب الكثير من الهياكل بالشلل وأوقع الجهاز الإداري في أزمات كلفت الحكومة خسائر سياسية فادحة.

البعض وجد في السلبية ملاذا لتجنب الوقوع في الخطأ، والبعض تفرغ للتمرين على حل شفرة المطالب المتناقضة، وهناك فئة تتفنن في اصطياد هنات الآخرين للصراخ والنباح للاقتراب من مركز الصورة.

الظهور وكفى عنصر يتحكم في تصورات النخب، وهدف رئيسيا لدى قطاع كبير فيها، وعندما اختفى أحدهم وبدأ الكلام يتناثر حول ضعف قدراته وقلة حيلته ومحاولته اقتفاء أثر المسؤولين، تعمد أن يظهر وسط مرؤوسيه، يصدر قرارات عشوائية ويعطي أوامر لهذا وينهر ذاك، وكلها تصرفات لتثبت أنه لا يزال جالسا على مقعده ولم يبتعد عن “اللقطة”.

هذا الخيال المريض أضعف القوة الناعمة، وجعل جهات كثيرة تعتقد أن هؤلاء هم مصر التي يرونها انكفأت وتراجعت وربما تخلفت، وأساء تصدرهم المشهد العام إلى الحكومة نفسها، لأن اختياراتها توحي بضعفها أصلا.

التقييم وفقا للظهور في “الكادر” ضاعف من الاتكالية وأصاب فئات كثيرة بالإحباط، والأخطر أنه أنتج نخبا غير قادرة على تحمل المسؤولية، فمن يعتني بالصورة لن يستطيع التركيز على المضمون.

المعارضة المصرية ليست أفضل حالا، فهي محكومة أيضا بثقافة الصورة، تنتقي السلبيات وتسلط عليها الأضواء، تختار كل ما هو مثير وتتعمد تضخيمه، وإذا كانت عاجزة عن النزول للشارع تسعى إلى رفعه إليها من خلال تشويه الواقع ونقل صورة تتداخل فيها الألوان، بما يصعب معه تحديد الفواصل الحقيقية من الزائفة.

9