النخبة من شباب القبائل الأفريقية هدف رئيسي لتنظيمات الإسلام الحركي

تعمل الخلايا الإسلامية المتشددة على اختراق المنظومات الاجتماعية في مناطق عديدة بالقارة الأفريقية، نظرا لما يمثله المناخ الأفريقي من فرص لنمو تلك الحركات وتوسيع قواعدها بسبب البنى القبلية التقليدية لمجتمعات المنطقة. فبعد أن استغلت حركة الشباب المجاهدين الصومالية فريضة الزكاة في الإسلام لتستميل القبائل الكينية، فإن مجموعات القاعدة وداعش تستغل اليوم عامل الإسلام ككل لكسب المؤيدين في السنغال وتشاد وبوركينا فاسو وغيرها، ودائما لا يكون التركيز إلّا على الشباب المتعلم.
الأربعاء 2016/04/06
الكوادر الجديدة بعد غسل أدمغتها

دكار - كشفت تقارير صحافية مؤخرا أن مناطق عديدة من القارة الأفريقية تشهد في هذه الفترة تطورات خطيرة في ما يتعلق بتغلغل الجماعات الإسلامية المتطرفة داخل الأنسجة الاجتماعية لدول المنطقة. والمثير للانتباه في تلك التحقيقات، أن جل جماعات الإسلام الحركي تعمل على استقطاب النخب من شباب القبائل، خاصة طلبة الطب والهندسة والعلوم بشكل عام. وقد تأكد ذلك من خلال مراجعة العديد من الأسماء القيادية في تلك الحركات، فكانت تلك القيادات من الطلبة والحاصلين على درجات علمية عالية. وهو ما يعكس حاجة الجماعات الإسلامية المتشددة إلى تلك الإطارات لتتمكن من العيش ومواصلة نشاطها الإرهابي، وكذلك تكوين مجتمعات موازية تعمل على طرح نفسها بديلا عن المجتمعات القبلية الهشة.

ساديو جاساما، طالب الطب السنغالي الذي يبلغ من العمر خمسة وعشرين عاما، اختار أن يصبح المعالج الميداني الأول لعناصر تنظيم ما يسمى الدولة الإسلامية في مدينة سرت الليبية، وقد ذهب إليها بعد أن فشل هذا العنصر الإرهابي في القيام بعملية داخل السنغال، وقد صرح في لقاء صحافي أجري معه عن طريق الإنترنت قائلا “السنغال محظوظة، فقد كنت أخطط لتنفيذ هجوم باسم الدولة الإسلامية عندما ساعدني أحد رجالهم على التوجه إلى ليبيا”.

وتقوم عناصر من تنظيم داعش المنتشرة في العديد من الدول مثل مالي ونيجيريا وتشاد وبوركينا فاسو وحتى السنغال (رغم استقرارها النسبي) بالعمل على التقاط معلومات حول الشباب المستعد للانضمام إلى معسكراتها التدريبية في مناطق نفوذها، خاصة شمال نيجيريا ومناطق من تشاد وصولا إلى ليبيا. ولدى تلك العناصر التي يسميها الكولونيل الأميركي بوب ويلسون وهو قائد مجموعة من الجنود في غرب أفريقيا بـ”استخبارات داعش” معايير معينة لاختيار العناصر المرشحة لأن تكون في أحد فروع داعش الإرهابية العاملة في المنطقة.

ويعترف الطالب ساديو جاساما في حديثه لإحدى الصحافيات في وكالة رويترز قائلا “رحلت من السنغال قبل عام، بعد اعتناق فكر تنظيم الدولة الإسلامية، وكان الانضمام للدولة في ليبيا سهلا نسبيا، فقد تعرفت إلى شخص كان يأتي دائما إلى المسجد الذي أصلي فيه، ورأى كيف أقوم بمداواة المرضى الفقراء مجانا، ومنها بدأت علاقتنا”. وأضاف جاساما قائلا “أردت أن أساهم في إقامة دولة خلافة في ليبيا”، وسئل عما يفعله في ليبيا فرد قائلا “أنا طبيب جهادي”.

"استخبارات داعش" لها معايير خاصة لاستقطاب الشباب المتدينين وتحويلهم إلى إرهابيين

ويقول خبراء أمنيون إن قصة جاساما تظهر أن تغلغل التيار السلفي المتشدد مقترن بانتشار العديد من التنظيمات التي تحمل أسماء مختلفة حسب الولاء إلى القاعدة أو داعش، وهما التنظيمان المركزيان اللذان يتنافسان على بسط النفوذ في أفريقيا. ويكشف البعض من التحقيقات الأمنية في عدد من الدول تشابه طرق استقطاب الشباب وكيفية استدراجهم إلى العمل الجهادي، بل وتطابق المعايير التي تدلهم على العناصر “المثالية” حتى تنضمّ إلى شبكات الإرهاب، وهي في الغالب العناصر القابلة لتصديق الخطاب الديني المتشدد الذي يحوّل أوطانهم إلى ساحات لـ”الجهاد”. ولعل إشارة المتشدد السنغالي ساديو جاساما إلى أن استقطابه تم عبر التعرف إلى أحد عناصر داعش في المسجد يعدّ دليلا على ذلك.

وبالتوازي مع العمليات السرية التي يقوم بها جهاديو أفريقيا في استقطاب العناصر الجهادية، فإن تحالفات عديدة نجحت الجماعات الجهادية في توثيقها مع القبائل المحلية، مثل الروابط بين حركة بوكو حرام النيجيرية وقبائل الهوسا، حتى يكاد يكون معظم أفراد الجماعة وقياداتها من هوسا، والعلاقة بين إمارة الصحراء الكبرى التابعة للقاعدة وقبائل البرابيش ذات الأصول العربية، وبين حركة أنصار الدين وقبائل العرب والطوارق في إقليم أزواد، فضلا عن قبائل الفولاني التي تمثل خط الظهر والحاضنة لجبهة تحرير ماسينا.

هذا العامل القبلي يكاد يكون حاسما في مصائر الجماعات الأفريقية بل وفي استمرارها وقدرتها على مقاومة التحديات، وأيضا على مناهضة الحكومات المحلية التي تعاني صعوبة في بسط سيادة مؤسسات الدولة في المناطق الوعرة التي تعيش فيها القبائل. ويلفت مراقبون إلى أن فهم التركيبة الاجتماعية المعقدة ساعد الجهاديين في نسج العلاقات الوثيقة بينهم وبين القوميات من العرب والطوارق والأفارقة، خاصة مع القدرة على تقديم الجامعة الأم المتمثلة في الإسلام الذي لا يفرق بين الأسود والأبيض أو العربي والأعجمي، وقد تمّ استغلال هذه الميزة في الدين الإسلامي (المساواة بين الناس) وتحريف رسالتها النبيلة لمزيد توسع قاعدة الجهاديين.

ويؤكد طالب الطب السنغالي جاساما أنه التقى بالعديد من الطلبة في الهندسة والكيمياء والصيدلة في مناطق سيطرة داعش، مشيرا إلى أن جل تلك العناصر قادمة من قبائل تسكن منطقة الصحراء والساحل الغربي، وهذا دليل على أن مقاومة الجماعات الإسلامية المتشددة في تلك المناطق يجب أن تمر عبر عملية إصلاح اجتماعية شاملة.

13