"النخبة" وحراك صفاء السري

الأربعاء 2014/06/04

هي ليست المرة الأولى ولن تكون الأخيرة على ما يبدو التي تقوم فيها الإعلامية السعودية صفاء الأحمد بالإساءة لبلدها من مقر إقامتها في اسطنبول. المدهش هذه المرة أن عملها استغرق نحو العامين، وتخلله عدد من الزيارات للمملكة ولمدينة القطيف وللعوامية تنقلت خلالها بالكاميرا في الشوارع، وتجاوزت نقاط التفتيش التي تضطر السلطات السعودية إلى وضعها عقب كل عملية إرهابية أو في خطوة استباقية لعملية من نوع ما.

بطبيعة الحال، عملية إنتاج ما وصفته بالعمل الوثائقي دليل ناصع على عدم صحة محتوى العمل المعنون بـ«الحراك السري»، إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تأتي المذكورة من مقر إقامتها في تركيا، ثم تتجول في مدينة القطيف وشوارع العوامية، وتغادر متوجهة إلى اسطنبول وفي حوزتها المادة الفيلمية في بلد يصفه الفيلم بأنه لا يوجد فيه سوى «الفقر والجوع وغياب الشرف وانعدام الحرية السياسية».

هل يمكن لأحدنا أن يعيد قراءة هذه المفردات: فقر، جوع، غياب شرف، انعدام حرية سياسية، ثم يقول لنا ما هي الصورة الذهنية التي تكونت لديه، وهل يمكن لبلد تمثله تلك الصورة أن تتحرك فيه سيدة من طائفة مغايرة ومقيمة خارج وطنها تسيء له من سنوات، ثم تقوم بتصوير مئات الساعات من المشاهد حسب قولها.

ثم ماذا عن الفقر والجوع ونحن نشاهد الفلل والسيارات الفارهة والوظائف المرموقة لتلك الطائفة، وأين غياب الشرف الذي لا نشاهد منه إلا غياب شرف المهنة للإعلامية صفاء وللقناة التي لا نستغرب منها ومن وليدتها بالمسافحة غياب الشرف عنهما، وماذا عن الحرية السياسية وماذا يمكن تسمية دخولها وخروجها المتعدد بالمادة الفيلمية وتجولها في الطرقات بآلات التصوير، وماذا نسمي ظهور أحد المواطنين وخلفه صوراً لملالي قم، وهل يمكن لإيراني سني أن يضع خلفه صورة لمن ينتمي إليهم مذهبياً حتى وإن كان مقيماً قي قرية من قرى إيران النائية؟ لا أعتقد أن ذلك يمكن أن يحدث مهما تشدقت طهران بالديمقراطية ومهما طبلت لها صفاء الأحمد ومن شايعها.

لن يدهشني أن تتبنى «البي بي سي» و«الجزيرة» مثل هذا الفيلم وأن يبثاه سوياً أو كل على حدة أو أن تكتفي واحدة منهما بذلك كما حدث بالفعل. فالقناة الأم «البي بي سي» وابنتها سفاحاً «الجزيرة» ليسا بمثار دهشة لانعدام المهنية الإعلامية فيهما عندما يتعلق الأمر بالشأن السعودي وهو الأمر الذي لا يتطلب كثيرَ جهدٍ لإثباته.

كما أن بث مثل تلك البرامج لن يتوقف طالما وجدت المشاهد الذي يتلقى برامجها على علاّتها ولم تجد الجهة الإعلامية التي تكشفها، وطالما وجدت من يروّج زوراً وعدواناً لمهنية الابنة الجزيرة وصهْينة مختلف وسائل الإعلام السعودية دون أن يوقفه أحد، والأدهى أن يتاح له استخدام القانون لردع كل من يحاول كشف مغالطاته وأكاذيبه وزيف منهجه.

إن كان لدينا من يقوم بذلك علانية لتلميع الابنة التي تلبس «الثوب العربي القطري» فليس هناك من حاجة على الإطلاق لتلميع وجه الأم ذات «اللباس الغربي المغري». لكن الحاجة ماسة، ولاشك في ذلك، إلى أن نرى حراكاً إعلامياً سعودياً يكشف زيف ذلك الفيلم وتلك القناة. نتوقع أن نرى برنامجاً يصور الوضع المعيشي الحقيقي لسكان القطيف والعوامية. نريد أن نرى برنامجاً يلقي الضوء على حقيقة أن مواطني القطيف والعوامية في وظائف حكومية راقية أو أعمالهم الخاصة الناجحة. نتوقع برنامجاً يصور لنا أبناءهم المبتعثين بما في ذلك أبناء بعض المعتقلين منهم في قضايا إرهاب.

نريد أن نرى شوارع القطيف والعوامية وحركة المرور فيهما وانسيابية الحركة وعدم توقف الحياة. وفي نفس الوقت نريد أن نرى البرنامج يعكس أعمال الشغب وقطع الطريق واستخدام السلاح وجرائم القتل والاعتداء وترويع الآمنين التي تقوم بها ثلة من المأجورين الذين باعوا أنفسهم لشياطين قم وملالي طهران. هل سيتحقق ذلك؟

قبل أيام نشرت إحدى الصحف الإلكترونية خبراً أظنه خبر الموسم حول مجموعة في «الواتس أب» تحمل اسم «النخبة»، ويعلم الله أنني فوجئت بذلك فكيف تسرب للصحيفة اسم المجموعة التي تضمني وإخوتي وخشيت أن بعض ما يدور فيها قد انتقل أيضاً أو لعل المراسل أحدهم. أو هكذا خطر لي. الحمد لله أن الخبر لا علاقة له بنا ولا بمجموعتنا الصغيرة بل يتعلق باستخدام وزير إعلام إحدى دول العالم الثالث لتقنية «الواتس أب» لمناقشة القضايا الحساسة والشائكة حيث ناقش الأعضاء ثمانين قضية كاملة.

الحقيقة أن الخبر لم يتضمن أية معلومات عما إذا توصلت مجموعة النخبة لحلول حاسمة لتلك القضايا. تساءلت، هل ناقشت تلك المجموعة مسألة توزيع كتب سيد قطب ورموز الإخوان في معرض الكتاب الذي أقيم مؤخراً في عاصمة تلك الدولة؟ هل ناقشت عدم استضافة التلفاز الرسمي لمشايخ تعودوا الدفاع عن الحكومة في مقابل استضافة من نعلم؟ أشك كثيراً في ذلك ولكنني لا أستبعد مثلاً مناقشة أجهزة التبصيم وهل هناك من يستفيد من تطبيقها في مكان واحد فقط يقول بعض أعضاء المجموعة عن أهل ذلك المكان إنهم «أبناء الجواري». وربما أيضاً تناقش المجموعة قصيدة تحتاج إشادة. وربما يناقش أعضاؤها قرارات إيقاف كتاب أو منع مشاركات في وسائل التواصل لمن يسبب لأشخاصهم بعض القلق. أقول ربما، فالخبر لم يوضح شيئاً من ذلك. كما لم يوضح هل تباحثت المجموعة في آلية الرد المناسب على ذلك الفلم وتلك القناة بهدف مساعدة وزارة الثقافة والإعلام السعودية. للأسف لا أعتقد أن شيئاً من ذلك حدث أو سيحدث.

كل ما يهمنا الآن هو ألا تفاجئنا الوزارة المعنية بنفي خبر مجموعة «النخبة»، فالعرب لم تنشره لعدم أهميته، وقد تعودنا في الفترة الأخيرة نفي أخبار أهم بكثير من وزارات شديدة الأهمية عن أخبار غاية في الأهمية كذلك، فقط لأنها صدرت من صحيفة تتعرض لهجوم مركّز من مجموعة جلّ همها تشويه كل ما هو إيجابي وتلميع قنوات ما فتئت تفتري على السعودية كالبي بي سي والجزيرة وسواهما، صحيفة إذا تحدثت بخبر ما انتفضت أكثر من وزارة للرد عليها حتى وإن نشره غيرها أيضاً. لا أفهم لماذا؟

ليتهم يلتفتون إلى ما يسيء حقاً ويردوا عليه بما يستحق بدلاً من أن يظل الحال كما هو عليه حتى يكتب الله أمراً كان مفعولا. الفرصة جاءت على طبق من ذهب لتعرية قناة البي بي سي فهل سيتفضل الجهاز الإعلامي السعودي بالتحرك الجاد، وهل سنرى لمجموعة «النخبة» عملاً مضاداً لحراك صفاء السري.


كاتب سعودي

8