النخبوية في الفن

الأربعاء 2017/03/08

كنا ننبهر ونحلم بالمستقبل المشرق عندما كنا نستمع ونحن أطفال إلى عبدالحليم حافظ يغني من كلمات صالح جاهين وتلحين كمال الطويل "صناعة كبرى.. ملاعب خضرا/ تماثيل رخام ع الترعة وأوبرا/ في كل قرية عربية".

ولما كبرنا عرفنا أن الأوبرا فن من فنون "الأرستقراطية" أو على الأقل، الطبقة المثقفة، دون أن يُشترط أن يكون المثقفون هنا من أبناء الإقطاعيين أم الفلاحين، فالمهم أن يكون المثقف قادرا على تذوق فن الأوبرا، وهو فن نخبوي بحكم طبيعته ونشأته، ولا يزال يعتبر كذلك في البلدان الأوروبية نفسها، فهذا الفن، باختصار، يعود بالمسرح إلى تقاليده اليونانية القديمة مع إدخال التعبير بالجسد والصوت والأداء المسرحي، ومزج الكلمة بالموسيقى بالحركة، واستخدام الموسيقى السيمفونية في تنويعاتها وآلاتها المختلفة وجعلها تلعب دورا أساسيا في التعبير عن المعاني التي تدخل في صلب العمل المسرحي.

نعم الأوبرا فن نخبوي، لا يصلح للعامة الذين لم يتدربوا على آداب الاستماع عن طريق هذا النوع من الأداء الذي قد لا يناسب كل الأذواق، وجمهور الأوبرا في الغرب لا يشترط أن يكون ملما باللغة الإيطالية التي تُغني بها الأوبرا، لكنه يتذوقها ويهضمها فيتابع حركاتها المختلفة وحركات اللاعبين الأساسيين وطريقة التعبير بالغناء الأوبرالي.

وليس في القول بنخبوية الأوبرا أو أي فن غيرها، تعال أو استعلاء على الطبقات الشعبية، فليس عيبا أن تكون لكل طبقة فنونها المختلفة، فالفنون الشعبية مثل الغناء الشعبي بكلماته الموغلة في المحلية، قد لا تصلح لأبناء الطبقات التي تتمتع بالثقافة الرفيعة.

ولمشاهدة الأوبرا والتردد على عروضها تقاليد ثابتة، فليس من الطبيعي ولا المقبول، أن تجد جحافل من الجمهور الشعبي تهرول إلى دار الأوبرا بملابسهم الشعبية مثل الجلابيب و"الشباشب" مثلا، بل جرى العرف على ارتداء ملابس عصرية أنيقة ملائمة.

وليس من الصحي على الإطلاق أن تتحول دار الأوبرا بسبب الإفلاس والعجز وسوء الإدارة، كما هو حادث في الأوبرا المصرية، إلى مسرح للحفلات الغنائية التي تحييها مغنيات (ولا أقول مطربات) من الدرجة الثالثة والرابعة ممن يؤدين الأغاني الشائعة ذات الكلمات المبتذلة والألحان الإيقاعية المتشابهة التي تثير النزعة إلى الرقص والتصفيق داخل المسرح، فمسرح الأوبرا يجب أن تكون له تقاليده الخاصة التي ينبغي الحفاظ عليها وعدم السماح بتدنيسها وإهانتها من أجل الحصول على بعض المال، مع غياب برنامج واضح لعروض الأوبرا من “الريبيرتوار” المعروف الذي يقدم على مسارح الأوبرا في العواصم العالمية.

المطلوب أيضا أن تلعب مؤسسة دار الأوبرا دورا في الترويج لثقافة الأوبرا لدى عموم الشعب بالتعاون مع وزارتي التعليم والتعليم العالي، فالأوبرا ثقافة وتذوق وإحساس، تقوم على الاستماع والتأمل والنشوة الداخلية، وليس التراقص على الإيقاعات الدارجة المتدنية التي تحول الطرب إلى مرقص جماعي عشوائي على نحو ما أصبح سائدا الآن بعد أن تلاشى المطربون الحقيقيون والمطربات، وحل محلهم راقصون وراقصات يلتوون فوق خشبة المسرح ويصدرون أصواتا متحشرجة أو رفيعة أنثوية مضحكة تصل إلى المستمع فقط بفضل السماعات والميكروفونات وتكنولوجيا الصوت الحديثة!

وكما أن الأوبرا فن نخبوي، فالسينما الفنية الرفيعة أيضا فن نخبوي بدورها، أي لا تلائم الجمهور العام الذي يبحث عن قصة طريفة مثيرة يخرج منها بعظة أو حكمة أخلاقية، فهي تقوم على الفكر والتأمل الذهني والفلسفي، إلا أن الهدف المرجو هو التوسع في نشر الثقافة الرفيعة، سواء الأوبرالية أو المسرحية أو السينمائية التشكيلية، وتوسيع نطاق الشرائح التي تتذوقها، وهو أساسا دور الدولة، من خلال وزارة الثقافة.

الدعوة إذن ليست إلى غلق الباب على الشريحة المحدودة التي تتذوق هذه الفنون، بل لتوسيعها، ولكن دون أن نأمل بأنها ستصبح ذات يوم من “الفنون الشعبية”، أو ستوجد “على كل ترعة” كما كان يبشرنا عبدالحليم حافظ، فليتنا فقط نرى مسرحا في كل مدينة، وهو حلم يبدو بعيد المنال في ظل الظروف القائمة!

ناقد سينمائي من مصر

16