النخب السياسية تناقش افتراضيا احتجاجات السودان وتعديل الدستور المصري

المعارضة تهاجر إلى السوشيال ميديا كبديل عن التجمعات والمؤتمرات الممنوعة، بعد أن تعذر عليهم التعبير عن وجهة نظرهم عبر وسائل الإعلام التقليدية.
الأحد 2019/02/17
التعبير عن آرائهم خارج قبة البرلمان

القاهرة - تدفع عديد الأحداث والتطورات التي تشهدها دول عربية، كالتظاهرات في السودان والجدل حول تعديل الدستور في مصر، العديد من النخب السياسية للعودة إلى الانخراط في قضايا سياسية ومجتمعية متلاحقة والاشتباك معها، بعد أن اختار البعض الانزواء والتراجع كحل لعدم قدرته على التأثير، لكن هذه المرة كانت العودة عبر منصات يصعب السيطرة عليها وتوجيهها.

بعد حوالي ثماني سنوات من اندلاع ثورات الربيع العربي، والتي لعبت فيها مواقع التواصل الاجتماعي دورا مهما في حشد المواطنين للنزول إلى الشارع، تحولت هذه المنصات إلى بديل للتجمعات والمؤتمرات. يمكن أن يتوضح ذلك من خلال تدوينات السياسيين السودانيين والهاشتاغات المتابعة للاحتجاجات. وفي مصر، لجأ العديد من المعارضين إلى مواقع التواصل الاجتماعي للحديث عن التعديلات الدستورية، بعد أن تعذر عليهم التعبير عن وجهة نظرهم عبر وسائل الإعلام التقليدية.

الباب الواسع

عبدالمنعم سعيد: النخب العربية وجدت في مواقع التواصل قدرا من الحرية، لا تتوفر في وسائل الإعلام التقليدية
عبدالمنعم سعيد: النخب العربية وجدت في مواقع التواصل قدرا من الحرية، لا تتوفر في وسائل الإعلام التقليدية

قدرة المعارضة في التأثير على المواطنين وعدم استطاعة أجهزة الدولة المختلفة التقليل من أثرها، من بين الوسائل المستقبلية التي تبني عليها هذه المعارضة خطط عملها، كبديل للمؤتمرات الجماهيرية، والتضييق على عمل منظمات المجتمع المدني، وهي طريقة يمكن أن تُفشل جميع الأدوات التي تلجأ إليها الحكومات لتضييق هامش الحرية.

أوضح عبدالمنعم سعيد، مدير المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية سابقا، أن المزاج العربي الثوري ما زال مهيأ لإثارة اهتمام النخب وتحريكها، والمشكلة الأساسية في هذه التحركات تكمن في غياب النظرة المستقبلية والتي تظل غائبة مند اندلاع الثورات في العام 2011.

وأضاف سعيد لـ“العرب” أن “النخب العربية وجدت في مواقع التواصل قدرا كبيرا من الحيوية والحرية، لا تتوفر في وسائل الإعلام التقليدية، ووجدت سيولة كبيرة في تمرير آرائها والوصول إلى الآلاف من المتابعين، بل والتعرف على اتجاهاتهم، لكن المشكلة الأساسية أن تعدد الاتجاهات ساهم في تفتيت أيديولوجيات هذه النخب التي كانت تنقسم إلى وسط ويمين ويسار”.

وبرأيه أن معيار تأثير النخب من عدمه مازال غير واضح إلى الآن في ظل عدم وجود دراسة تبين مدى تأثيرها، في المقابل فإن وسائل الإعلام لديها أساليب لقياس الرأي العام تمكنها من معرفة حدود المتابعة. وانتشرت العديد من التدوينات في مصر مؤخرا، تفند مواد الدستور المطلوب تعديلها، وظهرت آراء غلب عليها الاتجاه المعارض، لكن بعض المؤيدين واجهوها بأخرى تدعم أهمية التعديل في الوقت الحالي، ما دفع أنور الهواري، الصحافي المصري للقول، عبر صفحته، بأن “السوشيال ميديا أصبحت منصة الحوار الرصين بين العقول الجادة بعيداً عن الإعلام الذي دمره تدخل السلطة”.

وقال أنور الهواري، الذي ترأس تحرير عدة صحف مصرية، لـ“العرب”، إن “جدل تعديل الدستور سمح بتداول أربعة مقالات تحمل آراء مختلفة جرى نشرها في نفس الوقت تقريبا، أحدها قمت بكتابته وحصل على الكثير من المشاركات والتعليقات، وجميعها كانت مثار جدل على صفحتي الخاصة”.

أنور الهواري: البعض من الشخصيات السياسية تمكنت من زيادة أعداد المتابعين على صفحاتها
أنور الهواري: البعض من الشخصيات السياسية تمكنت من زيادة أعداد المتابعين على صفحاتها

على غير العادة تمكن البعض من الشخصيات السياسية من زيادة أعداد المتابعين على صفحاتهم، وأصبحوا ينافسون نجوم الفن والرياضة المهيمنين على اهتمامات الشباب، وظهر ذلك من خلال مشاركة منشوراتهم مرات كثيرة وزيادة التعليقات والمناقشات، مقارنة بما كانت عليه خلال الأشهر الماضية.

كان أبرز من تواجد على صفحات الواصل الاجتماعي خلال الفترة الأخيرة، مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، والسفير المصري السابق فوزي المنشاوي، وإبراهيم نوار إحدى الشخصيات السياسية الفاعلة في ثورة يناير 2011، وزياد بهاءالدين نائب رئيس الوزراء المصري سابقا، وكمال حبيب الخبير في شؤون الحركات الإسلامية.

وأشار أنور الهواري إلى أن الشخصيات التي برزت على ساحة مواقع التواصل مؤخرا ليست ضد الدولة المصرية بالمطلق، أو ضد النظام الحالي من جذوره، بل هي تسعى إلى خلق وسيلة للحوار، وضد استخدام مواقع التواصل للدخول في مستنقع الفوضى، وأضحى هناك حوار جاد وموضوعي حول تعديل الدستور وكيفية إدارة الدولة، بعيدا عن اتهامات العمالة التي كانت تثار دائما في مثل هذه المواقف.

التكنولوجيا تخدم النخب

هناك عوامل عدة تضعها النخب السياسية في أذهانها أثناء إقدامها على التفاعل عبر منصات التواصل الاجتماعي، لأنها تبحث عن أرضية مستقبلية لها قد تجدها من خلال الأجيال الصاعدة والتي يرتبط تعليمها بالوسائل التكنولوجية الحديثة، وقد يلعب توجيه الخطاب السياسي إليها دورا متناميا في المستقبل.

وأشار عبدالله السناوي، الكاتب والمحلل السياسي المصري، إلى أن تطوير التعليم في غالبية البلدان العربية والزيادة المضطردة في أعداد المستخدمين في الدول التي تعاني من التضييق على الحريات العامة، من العوامل التي تجعل هذه الوسائل تلعب أدوارا متنامية، وتأثيرها في المستقبل سيطال الجميع.

عبدالله السناوي: وسائل التواصل الاجتماعي تلعب أدوارا متنامية والتأثير في المستقبل سيطال الجميع
عبدالله السناوي: وسائل التواصل الاجتماعي تلعب أدوارا متنامية والتأثير في المستقبل سيطال الجميع

ولفت في تصريحات لـ”العرب” إلى أن المعارضة المصرية أدركت أن انسحابها أفقدها بريقها، وظهرت كأنها مازالت تعيش على أوهام الماضي من دون أن تواكب التطورات الحديثة، وهو ما سمح بظهور شخصيات جديدة لديها مئات الآلاف من المتابعين على مواقع التواصل المختلفة، واستطاعت أن تحل محلها، مع استخدامها خطابات تعبر عن انفلات الأجيال الصاعدة، ما يجعل التدخل مطلوبا لضبط إيقاع الحوار.

وتستغل العديد من دوائر المعارضة انتهاج الحكومات أساليب تقليدية في التعامل مع الوسائل التكنولوجية، عبر الحجب والاعتقال، لزيادة شعبيتها وتأثيرها، وتدرك أن هذه الأساليب تجاوزها الزمن، وقد تكون سببا في زيادة العناد وتدفع للتعاطف الشعبي.

ولم تستطع ترسانة القوانين التي وضعتها بعض الدول لتنظيم عمل المنصات الاجتماعية الإلكترونية في السيطرة على الملايين من المحتويات المتدفقة على مواقع التواصل بشكل مستمر، وقد يكون الأشخاص الفاعلون يمثلون خطرا على السلطات الحاكمة عرضة للاعتقال، لكن في النهاية هناك أرضية خصبة يمكن للسياسيين العمل عليها من دون قيود.

وأقر البرلمان المصري قوانين لتنظيم الصحافة والإعلام، ومنح لمجلس تنظيم الإعلام (حكومي) حق تطبيق العقوبات المقررة على وسائل الإعلام التقليدية على الحسابات التي يبلغ عدد متابعيها أكثر من خمسة آلاف شخص، ما يعني التعامل معها باعتبارها وسائل إعلام إلكترونية، لكن هذه المادة لم تجد طريقا للتطبيق.

يرى سياسيون أن ظهور شخصيات تستخدم مواقع التواصل في المعارضة السياسية يتطلب أن تكون هناك مبادئ عامة تشكل الوعاء العام للخطاب الذي توجهه إلى الجمهور.

6