النخب العربية ومسؤولياتها

الأحد 2015/02/15

في العقد الأول من هذه الألفية كان الشرق الأوسط خاضعا بشكل أو بآخر لتجاذبات دولية وإقليمية همشت العالم العربي. بيد أن انطلاق حركات الاحتجاج مع بدايات العقد الثاني كان يفترض أن يغيّر المعادلة. وهذا الغليان العربي لم يحصل حصريا بسبب انعدام الكرامة والحرية وفشل دول الاستقلال، بل إن “الانتفاضات” ضدّ “أنظمة الاستقرار بالقوة” كانت أيضا بمثابة ردّ على الضعف البنيوي العربي، وعلى تغييب وتهميش الموقع العربي ضمن المعادلات الإقليمية والدولية.

على الصعيد العربي، لم تتطابق حتى الآن حسابات الحقل مع حسابات البيدر عند شباب انتفاضات “الربيع العربي” وعدا الحالة التونسية المتفاعلة حتى الآن، تبدو العودة إلى الأوضاع الكلاسيكية من مصر إلى اليمن وكأنها أمر لا مفرّ منه، على ضوء انتكاسات المراحل الانتقالية المتعثرة. أين هي مسؤولية النخب وعدم قدرتها على لعب دورها في صناعة تاريخ متسارع؟


العالم العربي قبل ثورة يناير 2011


ساد الاعتقاد طويلا أن العرب ظاهرة صوتية نتيجة تفكك نظامهم الإقليمي، والضعف البنيوي المتراكم، والتأخر في السباق التكنولوجي والعلمي. وكان المشهد السياسي العربي مستعصيا على التغيير وكأن الديمقراطية التي مرّت بكل أصقاع الأرض بعد نهاية الحرب الباردة ممنوعة من الصرف في ديار العرب، مع الإدراك بأن الديمقراطية ليست هي الترياق للمشاكل البنيوية، ولمعضلة إيجاد صيغة الحداثة الملائمة، لكن التساؤل كان ملحا عن أسباب عدم لحاق العالم العربي بالركب، فبالرغم من المآخذ على تصدير الديمقراطية عبر مشاريع القوة العظمى ( مثل مشروع الشرق الأوسط الكبير بعد حرب العراق عام 2003) أو عبر أشكال جديدة من الاستتباع الثقافي والاقتصادي، استمرّ المأزق السياسي والأيديولوجي الذي كان يمنع الشعوب والأفراد من التمتع بحقوقهم وعيش مواطنتهم والاشتراك في صنع مستقبلهم.

بيد أن آلية التفسير الأقرب للواقع عن سبب استمرارية وتعمير الأنظمة ضمن مجتمعات منهكة ومنظومة جيوسياسية مضطربة، تستند إلى علم الاجتماع العمراني وإلى الواقعية السياسية الماكيافيلية. في الكثير من الحالات اعتمدت المجموعة الحاكمة على روابط العصبية (حسب مفهوم بن خلدون) في تعزيز وحدتها، وأخذت تهيمن على القطاعات القوية في المجتمع عبر ارتباطها بسلسلة من المصالح، على أن يخضع كل ذلك لإشراف أجهزة أمنية تمسك بالكثير من مفاصل القرار.

ولا يستند الولاء لاعتبارات الانتماء والعصبية فحسب، بل يشترك أيضا من خلال النفعية الشائعة. وتكتمل الدائرة في التفتيش عن شرعية قومية أو دينية مصطنعة للحكم.

إن الدولة العربية ما بعد الاستقلال هي في الغالب ثمرة نكبة 1948 في المشرق، وصعوبات نزع الاستعمار في المغرب، وعدا حالات محدودة لم يكن من مكان لدولة القانون -أو لدولة الحق- والتي تعكس تمثيلا حقيقيا لمجتمعاتها، وتكون الأولوية فيها لمفهوم المواطنة (على حساب الرابط الديني أو الفئوي).

على صعيد التسلسل التاريخي فشلت أول محاولة نهضوية عربية في أواخر القرن التاسع عشر والتي أتت كردّة فعل على الاستبداد العثماني، وأخفقت بعد ذلك دول الاستقلال إثر انتكاسات التيار القومي العربي الذي بلور مشروعا نهضويا كردّ على النكبة في فلسطين، لكنه كان يفتقد إلى الديمقراطية والتمثيلية كأدوات صالحة للحكم. وهكذا فإن نكسة يونيو 1967 -معطوفة على انعدام الحريات الأساسية- قوضت المحاولة الثانية.

وتأكد مأزق عدم وجود ديناميكيات قادرة على التغيير نتيجة عدم بلورة مشروع ديمقراطي عربي ينهل من التراث العريق، ويتأقلم مع متطلبات العولمة في عالم تسوده التجمعات الكبرى، خاصة أن الحلول للأزمـــات ضمن إطار الكيانات لم تكن ناجعة.

كشف عبدالرحمن بن خلدون، ابن إفريقيّة -كما كانت تسمى تونس-، عن العلة المؤدية لخراب المراحل الانتقالية في “الصحوة العربية” الراهنة والمتعثرة عندما وصف في “مقدمته” الاستبداد بـ”العسف الذي يؤدي إلى خراب النفوس وفساد النوع”، هذا الاستبداد، الذي عاد الكواكبي ابن حلب وتمعن في تفصيل طبائعه ومآلاته، إنه لا يقتصر على طغيان الحاكم وجوره، بل يمتدّ إلى عدم الاعتراف بالآخر وإنكار حقوقه، وتعميم ثقافة الإقصاء باسم الأيديولوجيا أو تحت ستار الدين.

في مراقبة لأحوال دنيا العرب يمكننا إجراء مقارنة بين لبنان (وسوريا استطرادا) وتونس (ومصر استطرادا) حيث تتعدّد نقاط التشابه الثقافي والتفاعل الفكري وإشكاليات الهوية والحداثة. وإذا أردنا فهم أسباب الانشطار السياسي الحادّ وتفاقم العنف السياسي، لا بدّ من العودة إلى الخلفية الثقافية للمجتمعات العربية.

وفي هذا الإطار كان بن خلدون قد تبنى نظرة موسوعية للتاريخ العربي تفيدنا اليوم في فهم أسباب التخلف وعدم القدرة على اللحاق بالعصر. وحسب الأنثروبولوجي الأميركي الراحل إيريك وولف «حلل بن خلدون في القرن الرابع عشر عملية بناء التحالفات وتفككها ببراعة فائقة، فلقد رأى الأمر في شكل تناوب متصل بين تضامن القرابة “العصبية القبلية” من جهة، وتنوع المصالح الملازم لحياة الاستقرار من الجهة المقابلة». وذهب بن خلدون بعيدا

في منهج يتخطى الاعتبارات القبلية والعرقية والدينية ويعتمد على الفروع الفاعلة، المؤثرة والمساهمة في صوغ النهر العام.

بيد أن التبني السلبي لنظرية العصبية جعلها معبرا للاستبداد والتحكم بدل أن تكون عنصر قوة للدولة والجماعة. ويسري ذلك على إعطاء الغلبة للحسابات الفئوية والقبلية والمناطقية والأيديولوجية والدينية في مراحل تحوّل تفترض التفتيش عن القواسم المشتركة في مراحل البناء الانتقالي.

إذا بقينا في المجال الفكري وطرحنا أسئلة ملحة حول صلة الشورى بالديمقراطية ضمن المسار القاضي بضرورة تحديث نظام الحكم، ودور الدين والتراث في عالم متحوّل، نستنتج بسرعة أن مرحلة الحكم القوي حوّلت عالم العرب إلى صحراء فكرية.

وتكمن الخطورة في التركيز على مؤامرات دون التحلي بالشجاعة لممارسة النقد الذاتي وتحمل المسؤولية في المخاض الانتقالي، الذي لن يكون دربا مفروشة بالـورود، بل مرحلــة يزدحم فيها اللااستقرار مع الجدل الفكري والمتاعب الاجتماعية.

انطلاقا من النجاح التونسي المعقول وبداية الاستقرار المصري، فإن الفرصة ليست ضائعة كليا، والمهمّ اليوم هو إنتاج أحزاب جديدة يتمثل فيها الشباب بمشروع عربي جديد يحيي الحلم العربي في النهضة المؤجلة مرارا.


باحث من لبنان مقيم في باريس

11