الندم إحساس طبيعي للإنسان السوي

الخميس 2014/10/23
الندم يعذب صاحبه ولا يمنحه فرصة للراحة النفسية

القاهرة- الندم شعور يسيطر على الإنسان في أوقات الحزن، والخجل، والإحباط، والانزعاج، أو الشعور بالذنب بعد القيام بتصرف أو عدة تصرفات تجعله يتمنى لو لم يفعلها، لذلك فالندم قاتل، حيث يعذب صاحبه ولا يمنحه فرصة للراحة النفسية أو التفكير بسلام، فيصبح الفرد ضحية للقلق والتوتر حتى سبب الندم، وقد يؤدي ذلك إلى تعقيد أمور حياته النفسية، فكيف يمكن تفادي وخز الندم وعذاب الضمير؟.

يقول أشرف شوقي مهندس: تزوجت عدة مرات لعدة أسباب، منها عدم التفاهم مع الزوجة بسبب وجود فجوة في الأفكار والمبادئ بيننا، أو لسبب هام هو عدم التوافق العاطفي، فما كان أمامي إلا خيارين، إما أن انحرف وانزلق في تيار الرذيلة، وإما أن أبحث عن زوجة أخرى تشبع رغباتي وتسد احتياجاتي، ولم أوفق في الاختيار الصحيح، لأن زوجاتي لا يفهمونني ولا يحاولن إرضائي؛ لأنني أميل إلى الرومانسية والحس المرهف، الشيء الذي من الصعب أن أجده في الجانب الآخر، فلذلك أعود لأحاسب أفعالي وأقول يا ليتني ما أقدمت على تلك الزيجات.

أما علاء الدين حسين فيقول: كنت دائم الشكوى من مغالاة والدي، ومن الرقابة والحرص المفروضين عليّ، فكنت دائما أحلم أن أعيش بمفردي لا أجد من يحاسبني أو يراقب أفعالي، ولكن سرعان ما حانت الفرصة، إذ فرضت عليّ طبيعة عملي أن أعمل في أحد الفنادق البعيدة عن بلدتي وعن أسرتي، وبمرور الوقت وجدت نفسي وحيدا لا أحد يسأل عني أو يطمئن عليّ، فبدأت تدريجيا اشتاق إلى أسرتي، وأندم على النعمة التي لم أشعر بها إلا بعد الابتعاد عنهم.

وتحكي إنجي إبراهيم عن الندم في حياتها، وكيف أنها تركت أصدقاء العمر عن قصد وتخلت عنهم، معتقدة أنها ستجد أفضل منهم، ولكن الواقع كان أصعب، حيث اصطدمت بصديقات همّهن الأول المصلحة، أو إيقاعها في المشاكل، بل اندهشت من أن المظهر كان شاغلهم الأول ومحاولة لفت أنظار الشباب، أسمى أهدافهم، فاضطرت لأن تعيش وحيدة وترفض أي صداقة، فوجدت نفسها نادمة على فقدان أصدقاء العمر ورفقاء الدرب.

وتقول الدكتورة ابتهال السيوفي، أستاذة الأدب العربي والدراسات التربوية، ومدير أحد مدارس اللغات حاليا: أنا شخصيا أتعرض له كثيرا في حياتي، ولكن هناك نوع من الندم بسيط لا يؤلمك، كـأنك مثلا نسيت شيئا ما أو أهملت إعداد مذكرة أو بحث، أو فقدت فرصة كان من الممكن أن تضيف إلى فكرك أو عملك الكثير، وهذا النوع من الندم يتعلق بحياتك الشخصية، وليس هناك طرف آخر معك، ويمكن التغلب عليه بسهولة. ولكن هناك نوع من الندم يصل حد تأنيب الضمير والوجع النفسي، كأنك تظلم إنسانا وهو بريء، أو تتهم شخصا ما باتهامات وتدرك في النهاية أنها باطلة، أو تتزوج فتاة من رجل وتكتشف أنه لا يستحق حبها أو مشاعرها.

الندم هو الضمير الذي يسكن في أعماقنا ويتعذب معنا إذا تجاوزت أفعالنا المنطق والمعقول

هذا الندم مزدوج ويؤلم، ونحن درسنا روايات كثيرة في الأدب العربي والأجنبي عبّرت عن الندم، حتى أن البطل قد يفكر في الانتحار، وقرأنا ذلك في روايات “الشحاذ” لنجيب محفوظ، و “الطريق”، و”بداية ونهاية”، والثلاثية وغيرها، وقد يصل الندم إلى الانهيار التام للشخصية كما حدث في مسرحية “ماكبث” لشكسبير، و”الملك لير”، هذا الملك الذي جعله الندم يركض في الصحراء، لا يصدق أنه دمر حياته بنفسه حين وزع ثروته على بناته.

علينا بقدر الإمكان تجنُّب الندم الذي يسلب راحتنا ويزرع القلق باستمرار في قلوبنا، علينا تجنُّب الأحكام السريعة على الآخرين، وأن تقوم العلاقات الإنسانية على أرقى مستوى اجتماعي، وأن يكون الاحترام والحب والتفاهم هم شروط العلاقات الإنسانية.

وتؤكد الدكتورة منى الشافعي، أستاذة علم النفس: أن الإنسان من طبيعته الملازمة، ليس الندم، فمثلا يحاول كلا الزوجين إلقاء اللوم أو العيوب على الطرف الآخر، فلابد من التفكير الموضوعي، فليس كل ما يقوم به الآخرون خطأ، وليس أيضا كل ما يقوم به الآخرون صواب، فلابد أن يقيم الإنسان حوارا مع نفسه، ويحاسب نفسه ويقارن بين الأشياء ويقيم الحوار مع الآخرين، مراعيا قيمة الصراحة لأنها أقصر الطرق السوية والسليمة، لكي يفهم الزوجان شخصية الآخر، فإن كل إنسان فريد في حد ذاته؛ لأن الفروق الفردية بين الأفراد تؤكد انفراد كل إنسان بمميزات بعينها وأيضا عيوب، لأن مَن منا كامل ومَن منا خال من العيوب؟!، ولكن على كل زوج وزوجة أن يتقبل الطرف الآخر بعيوبه وحسناته، ويسعى إلى التعديل وتغيير تلك العيوب، وهو ما يسمى بالمعدل السلوكي.

وتقول الدكتورة هبة محمد الصاوي، أستاذ علم الاجتماع التربوي، إذا أردنا أن نُعرّف “الندم”، فلابد أن نقول إنه الضمير الذي يسكن في أعماقنا ويتعذب معنا إذا تجاوزت أفعالنا المنطق والمعقول. قد يخطئ الإنسان في حياته في لحظات الغضب أو التوتر، ثم بعد أن يهدأ قليلا يشعر بالندم الشديد لما قام به، وقد تنتج عن ذلك أمراض نفسية كثيرة، إننا في المجتمعات العربية لا نهتم كثيرا بمشاعر الآخرين ولا نحاول التقرُّب من الآخر لنفهمه ونصادقه ونؤسس معه صداقة الاحترام والتفاهم، وكل منا يتصرف حسب مصلحته ورغباته دون التفكير في النتائج، وهذا أسلوب ترفضه طبيعة المجتمع العربي، إذ أن المجتمعات تنشأ على القيم والعادات والتقاليد واحترام أخلاقيات الجوار والحوار والتفاهم.

وتضيف: قد تجد كثيرا من الأزواج يعيشون معا وليس هناك تفاهم، بسبب غياب الحوار العميق، مما يؤدي إلى الإحساس بالندم لهذه الزيجة التي لا تشعر أحد الأطراف بالرضا النفسي والحب العميق، ولذلك لا يجب أن نُعرّض أنفسنا للندم، إذا درسنا الموقف بتفاصيله وتريثنا في الحكم على الأشياء، وفتحنا نوافذنا للعلاقات الجميلة الراقية مع الآخرين، من خلال الاحترام والتفاهم، سوف نشعر أننا جميعا في موقف واحد، وأن ما يؤلمك يؤلمني وما يفرحك يفرحني ويتلاشى الوقوع في بحر الندم.

21