النرجسية تسلب الأمهات الوجدان العاطفي

اضطراب الشخصية وطغيان الأنا يقوضان دور الأم ويدمران الحالة النفسية للطفل.
الجمعة 2020/01/17
خليط بين العواطف والنرجسية

يتعرف كل طفل على نفسه وعلى العالم المحيط به من خلال التفاعل العاطفي والجسدي مع أمه؛ لمساتها وابتسامتها وحمايتها، فالأم هي الانعكاس الوجداني لمشاعر أبنائها ورغباتهم واحتياجاتهم، التي تعلمهم من هم وأن لديهم قيمة، وهي المصدر الأول لأمنهم، ولكن هذه الأوصاف التي تشمل أغلب الأمهات تستثنى منها الأم النرجسية التي لا تستطيع إظهار الصفات النبيلة مما يدمر تطور أطفالها النفسي وخاصة الفتيات، نظرا لأنها لا تراهن إلا انعكاسا لشخصها.

 لندن – ترتبط صورة الأم في جميع المجتمعات بالقدسية، وينكر الكثيرون وجود أمهات نرجسيات يدمرن أبناءهن نفسيا ويؤثرن على تكوين شخصيتهم على الرغم من أن الواقع يثبت وجود الكثيرات منهن.

كشفت الكاتبة الأميركية باغ ستريب في كتابها “الشفاء من الأم غير المحبة واستعادة حياتك”، أن المجتمع لا ينصف الفتاة عندما تكون علاقتها مع أمها غير قابلة للإصلاح، مشيرة إلى أن الأساطير الثقافية عن الأمومة تفيد بأنها غريزة ولا يمكن تعلمها، وأن جميع الأمهات يحببن أطفالهن دون قيد أو شرط.

كما بيّنت أن الفتاة المنفصلة عن والدتها أو التي تلغي وجودها جزئيا أو كليا من حياتها وتقتصر على عدد قليل من الاتصالات تواجه ردود فعل قاسية بحيث لا يكون موقفها واضحا لكل الأصدقاء والغرباء، نظرا لأن جميع الثقافات تصطف إلى جانب الآباء والأمهات مهما كانت سلوكياتهم.

وعرف المختصون الأم النرجسية بالأم التي تتجاوز جميع حدودها وتشعر أن أولادها امتداد لها ولا يحق لهم الاستمتاع بأي خصوصية، وتسمح لنفسها بإهانتهم والتلاعب بمشاعرهم، وفي المقابل لا تتقبل النقد، وقد تفضل واحدا من أبنائها على حساب إخوته وتعطيه امتيازات لإزعاجهم، مما يخلق التباغض بين الأشقاء.

وقالت دارلين لانسر المختصة في العلاقات الزوجية والأسرية إنه لا يوجد خط فاصل بين الأم النرجسية وأولادها، الذين لا تستطيع رؤيتهم كأفراد فريدين يستحقون الحب، منبهة إلى أن أعراض اضطراب الشخصية النرجسية تشكك حتما في قدرة الشخص على أن يؤدي وظيفته كأب أو أم على الصيغة المعتادة.

ونبهت الخبيرة الأميركية إلى أن علاقة الأم النرجسية بابنتها أشد توترا وسلبية من علاقتها بأبنائها الذكور، حيث تقضي الفتيات عموما وقتا أطول مع والدتهن وتراهن كنموذج يحتذى به.

وتميل الأمهات النرجسيات إلى النظر إلى بناتهن على أنهن تهديد ومثار للقلق لأناهن، كما تحاول الأم النرجسية تشكيل شخصية ابنتها من خلال التوجيه والنقد، في نسخة عنها أو عن أناها المثالية. وفي الوقت نفسه، فإنها تسلط على ابنتها ليس فقط الجوانب غير المرغوب فيها في شخصيتها، مثل التركيز على الذات والعناد والأنانية والبرود، ولكن أيضا السمات التي تكرهها في أمها.

الآباء المصابون باضطراب الشخصية النرجسية يتحكمون باحتياجات أطفالهم ومشاعرهم وخياراتهم وفق أهوائهم

وأشارت لانسر إلى أن الأم النرجسية قد تفضل ابنها على ابنتها، على الرغم من أنها قد تؤذيه بطرق أخرى، مثل سفاح القربى العاطفي، حيث تنقل جميع عواطفها تجاه ابنها.

وأكد مختصون أن سفاح القربى العاطفي لا يتخذ شكلا ماديا ولا علاقة له بأي ملامسة جسدية خارج الشكل الطبيعي للعلاقة بين الأم أو الأب وأبنائهم، بل ينطوي على علاقة عاطفية حميمة، تبدأ عندما يعتمد أحد الوالدين على ابنه أو ابنته لتوفير الدعم العاطفي الذي يفترض أن يقدمه له شريك الحياة، والذي من الممكن أن يتطوّر إلى طمس وتشويش الحدود بين الأطفال والبالغين، بطريقة غير مناسبة نفسيا.

وبيّنت لانسر أن الآباء والأمهات المصابين باضطراب الشخصية النرجسية يرون ما يحيط بهم مقتضبا، فهو يرون أنهم مركز العالم، وأنهم يتحكمون في احتياجات أطفالهم ومشاعرهم وخياراتهم وفق أهوائهم، ويعتبرون تصرفاتهم التي لا تروق لهم إهانة شخصية تستحق العقاب عندما يريدون ذلك.

كما أنهم يحددون مفاهيم الأبوة والأمومة على طريقتهم الخاصة، ويدفع هذا الاضطراب الأمهات إلى التركيز فقط على أنفسهن أو على أبنائهن الذكور، وإلى إهمال أو حرمان بناتهن.

ويقوض الشعور بالخجل والسيطرة المتكررة نمو هوية الفتاة، مما يخلق لديها الشعور بعدم الأمان. فلا تستطيع أن تثق بمشاعرها وأحاسيسها وتخلص إلى أن والدتها غير راضية عنها بسبب أخطائها، متجاهلة أن والدتها لن تكون راضية عنها أبدا.

وفي الحالات الشديدة من سوء المعاملة أو الإهمال العاطفي أو الجسدي، قد تشعر الفتاة بأنه ليس لها الحق في الوجود، وأنها تشكل عبئا على والدتها، ولا ينبغي أن تكون قد ولدت أبدا.

وقالت لانسر “إذا لم تكن لديهم شخصية قوية، فإن أزواج النساء النرجسيات غالبا ما يتصفون بالسلبية ولا يقدرون على حماية بناتهم من عنف أمهاتهن”، مشيرة إلى أن بعض الأمهات النرجسيات يكذبن ويخفين سوء معاملتهن لبناتهن.

وتابعت “قد تشعر الفتاة التي لا تتعلم حماية نفسها والدفاع عنها بالعجز أو حتى لا تتعرف على الإساءة التي تتعرض إليها في وقت لاحق من حياتها. إنها نادرا ما تتقبل فكرة أن تكون عادلة في حق نفسها. ويتعين عليها أن تختار بين التضحية بنفسها وفقدان حب والدتها، حيث يتم تكرار نموذج عدم الثقة والخضوع والتبعية في علاقاتها مع المحيطين بها من البالغين”.

ويتم تجاهل احتياجاتها الخاصة من قبل والدتها أولا، ثم من قبل نفسها، والنتيجة هي شعورها برفض داخلي أساسه الاقتناع بأنها ليست محبوبة. فكيف يمكن أن تكون جديرة بالحب مادامت أمها لم تحبها ولم تتقبلها؟

وقالت المختصة النفسية إن القاعدة تقوم على الحب المتبادل بين الأطفال وأمهاتهم، ويتفاقم شعور الفتاة بالحياء بسبب الغضب أو الكراهية تجاه والدتها التي لا تفهمها، مما يجعلها تعتقد أن هذا دليل آخر على أنها شخص سيء وأن جميع انتقادات والدتها صحيحة. ولا تشعر أبدا بالراحة الكافية، فحياتها يملؤها الجهد المتواصل لإرضاء أمها يقابله عدم بلوغ ما تصبو إليه أبدا، نظرا إلى سعيها المتواصل لكسب الحب، في حين أن علاقتها بأمها تدور في دائرة التجاهل.

المسيطر الأول على الأبناء
المسيطر الأول على الأبناء

كما أشارت إلى أن الراحة العاطفية والتقارب اللذين يوفرهما حنان ورعاية الأم الطبيعية غائبان، حيث يمكن لها تلبية الاحتياجات المادية لابنتها، إلا أنها تتركها فريسة للحرمان العاطفي.

ولا تدرك البنت ما هو الشيء الذي تفتقده، لكنها تتوق إلى دفء والدتها، الذي تسعى إلى البحث عنه في علاقاتها مع الأصدقاء أو الأقارب أو في علاقات أخرى تشبه العلاقة بين الأم وابنتها، وبذلك تتوق إلى تواصل بعيد المنال لا تحصل عليه أبدا.

وقالت لانسر موضحة “إنها لا تتعلم تحديد وتقييم احتياجاتها العاطفية ولا كيفية الاستجابة لها. وتشعر بأن هناك شيئا ما مفقود. وقد تسعى لملء ذلك من خلال علاقات أخرى، ولكن في كثير من الأحيان يتكرر نمط عدم توفر الجانب العاطفي الذي تبحث عنه”.

كما ترغب أمهات أخريات في أن تكون ابنتهن الأفضل وفقا لرؤيتهن الخاصة إلا أن ذلك يتسبب في شللها بسبب نقدهن وسيطرتهن. ويحاولن رؤية بناتهن على أنهن امتداد لأنفسهن، يردنها أن تكون ملابسهن وتصرفاتهن مطابقة لما يرتدنه ويقمن به، ويخترن أصدقاءهن وهواياتهن ووظائفهن
أيضا.

وقالت المختصة إن الأم النرجسية يمكنها حظر أو انتقاد ما تحب أو ما تريد ابنتها من أجل مصلحتها، كما أنها تسعى إلى كسر قدرتها على التفكير بنفسها، ومعرفة ما تريد واختياره بنفسها والانخراط فيه وتنتظر مقابل اهتمامها بها التقدير والامتنان، مبينة أن هذه السلوكيات تجعل الفتاة تسعى إلى التحكم والسيطرة في علاقاتها مما يدخلها في صراعات غير ضرورية على السلطة.

ونبهت إلى أن الاعتقاد بأنها الأجمل على الإطلاق يحفز الأم النرجسية ليس فقط على انتقاد ابنتها، بل تتنافس معها على حب زوجها وأبنائها، كما أنها تسمح لنفسها برفض أو عدم حماية ابنتها إذا أسيئت معاملتها.

كما أنه يمكنها تقييد أو تشويه أصدقائها لأنهم ليسوا جيدين بما فيه الكفاية بالنسبة إليها، ولكن في حقيقة الأمر يعود السبب في ذلك إلى أنهم ينافسونها في اهتمامها ويجاملونها. ولتكون المسيطرة والأولى  في حياة ابنتها، يمكنها التدخل في خصوصية ابنتها وتقويض علاقاتها مع الأصدقاء والأقارب.

وأشارت دارلين لانسر إلى أن التعافي من صدمة العيش مع الشعور بالرفض والحياء يستغرق وقتا وجهدا في نهاية المطاف، وهذا يعني استرداد الاستقلالية.

ويبدأ ذلك بتحديد وفهم أن الرسائل والسلوكيات المشينة التي تنتقل من الأم إلى الابنة خاطئة، وبعد ذلك يأتي استبدال صوت الأم الداخلي والسلبي أي النقد الداخلي بالتعليم الذاتي واكتساب شخصية مستقلة.

21