النرجيلة متعة "فتاكة" في لبنان

يعتقد البعض أن النرجيلة لا تشكل خطرا على الصحة وهي أفضل وأقل ضررا من السيجارة، وهذه ليست سوى أفكار خاطئة، إذ أثبتت الدراسات الطبية أن النرجيلة تزيد من خطر الإصابة بسرطان الرئة والفم وأمراض القلب وغيرها من الأمراض الخطيرة، لاحتوائها على الكثير من المكوّنات الضارة بكميات كبيرة، مثل النيكوتين الذي يؤدّي إلى الإدمان، كما أنها تساهم في تراجع معدل الخصوبة عند الرجل والمرأة على حدّ السواء، وأمام ظاهرة انتشار تدخين النرجيلة في صفوف النساء والأطفال بلبنان، يحذر الأخصائيون من تفشي الأمراض التنفسية وارتفاع عدد الذين يفتك بهم التدخين بالبلاد.
الثلاثاء 2016/05/31
النرجيلة من لوازم البحر

بيروت- يحتفل العالم اليوم بـ”اليوم العالمي للحد من التدخين”، ليذكرنا بأضرار التبغ على صحة الإنسان سواء كان مدمنا أو مدخنا سلبيا، وبما ينتج عن التدخين من أمراض تنفسية وسرطانية، هذا التحذير لا يتوقف عن مساوئ السجائر، بل يشمل ايضا الأضرار الصحية من نتائج ومخاطر النرجيلة على الصحة، بعد أن أصبحت النرجيلة موضة العصر ولا سيما في لبنان رغم انعكاساتها الخطيرة، خصوصا على حياة الشباب والنساء بعد أن وصل بهم الأمر إلى حدّ الإدمان.

في لبنان، لا تكاد تخلو بيت من البيوت أو الحارات اللبنانية من النرجيلة، حتى أصبحت عنصرا اجتماعيا ضروريا، لا بل أساسيا في معظم الجلسات العائلية والشبابية، وباتت ضرورية ترافقهم في رحلاتهم وتؤنسهم في البيت والمقهى والمطعم وعلى البحر في جلسات طويلة يدخنونها لساعات، فيقلدهم الأطفال سرّا وعلنا في التسلية القاتلة مقنعين أنفسهم أن تدخين التبغ عبر “أنابيب المياه” أي النرجيلة، لا يدخل إلى أجسامهم المواد الكيميائية المضرة، غير أن هذا الأمر غير صحيح، فقد أثبتت الدراسات الطبية أن للنرجيلة أضرارا فعلية على الرئتين والقلب، بسبب مادة النيكوتين التي تحتويها النرجيلة والذي يعادل الكمية الموجودة بعشر سجائر، فهي تؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم والنبض وانخفاض نسبة الأوكسجين بالدم.

ولتدخين النرجيلة عند المولعين بها آداب وقواعد، فلا يجوز أبدا أن يضع أحد المدخنين النرجيلة على رأس الطاولة في المقاهي، فذلك يعني أن من فعلها يتحدّى الجميع ويتجاهلهم، كما لا يجوز لأحد الحاضرين من مدخني السجائر أن ينفض رماد سيجارته على صحن النرجيلة لأن هذا يعني الاحتقار، أما إذا أراد المرء تسليم نرجيلته إلى شخص آخر يشاركه فيها فيجب عليه طي الخرطوم وتسليمه إليه احتراما. لقد كشفت دراسة جديدة أن النرجيلة تحوي كميات من غاز أول أكسيد الكربون السام تفوق الموجودة في السيجارة الواحدة بـ10 أضعاف، ويحصل مدخن النرجيلة على كميات أكبر من الدخان تعادل 125 ضعف الكمية الناجمة عن السيجارة الواحدة.

54 بالمئة من الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين 13 و15 سنة يدخن دوريا السجائر أو النرجيلة

وأضافت نتائج الدراسة التي نشرها مؤخرا الموقع الإلكتروني لصحيفة “ديلي ميل” البريطانية، أن النرجيلة تحوي كميات من مادة النيكوتين تبلغ تقريبا 3 أضعاف الكمية الموجودة بالسجائر، كما تحوي من مادة القطران الضارة جدا، والمسرطنة، 25 ضعفا للكمية الموجودة بالسجائر. وحذر الباحثون في جامعة بيتسبيرغ البريطانية من تدخين النرجيلة لاحتوائها على قدر كبير من السموم أكثر مما نعتقد وأكثر من تلك الموجودة في السجائر. ومع ذلك تظل السجائر خطيرة أيضا، وتتسبب في إمكانية الإصابة بـ26 مرضا خطيرا، حسب أحد الأبحاث الطبية المنشورة مؤخرا.

الأطفال ضحايا

يحتل لبنان مرتبة متقدمة في قائمة البلدان الأكثر تدخينا في العالم وفقا لمنظمة الصحة العالمية، وقدرت وزارة الصحة اللبنانية، أن 65 بالمئة من الشبّان الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و15 سنة، و54 بالمئة من الفتيات من العمر نفسه تقريبا يدخنون دوريا السجائر أو النرجيلة.

وعلى الرغم من أن المجتمعات العربية تمنع على الأطفال تدخين للسجائر، إلا أن اللبنانيين يسمحون بتدخين أطفالهم للنرجيلة، على سبيل المثال أفاد نحو 83 بالمئة من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت الذين يدخنون النرجيلة أنهم يفعلون ذلك أمام ذويهم.

ويرتبط تعلّق الشباب والأطفال في لبنان بالنرجيلة بحوافز اجتماعية، إذ أصبحت هذه الظاهرة موضة في صفوف اللبنانيين، كما أن البعض منهم يتصورها من التقاليد العربية وهو بذلك يراها عملية إعادة إحياء للتراث، في حين أن أصل النرجيلة فارسي أو هندي انتشر قبل 700 سنة، ويقال أن انتشارها بدأ من تركيا حيث وصلت إلى هناك في منتصف القرن الرابع عشر وأصبحت لها مكانة اجتماعية مهمة بل أصبحت تقدم كهدايا وتؤثث مجالس السلاطين.

ويقول علماء الاجتماع “إن من أسباب إقبال المراهقين على التدخين هو نقص التوعية الأسرية، والغيرة التي تتفشى في الأوساط الاجتماعية المرفهة، وعدم استغلال أوقات الفراغ بشكل جدي أو مفيد، كقراءة الكتب أو المجلات، ومشاهدة البرامج الثقافية”.

قوانين منع التدخين حبر على ورق

المشكلة التي يعاني منها المجتمع اللبناني اليوم هي تزايد عدد مدمني النرجيلة من الأطفال الذين وصلوا إلى سن المراهقة، فبعد أن كان يستعمل التنمباك العجمي الثقيل الذي يمكن إثناء الشباب عن مواصلة خوض تجربة تدخين النرجيلة وبعد أن كثر الحديث عن مضاره الصحية الكثيرة بسبب النيكوتين القاتل، قامت بعض الشركات بمزج التنمباك الثقيل ببعض أنواع الفاكهة بغية تخفيف نكهته، كما وضع آخرون العسل اللزج الذي يصنع من أوراق التبغ المشبعة برائحة وطعم الفواكه، لينتشر “المعسل” بنكهات وروائح مختلفة. هذه الرائحة الطيبة وطعم الفواكه إضافة إلى تقليد الأطفال للكبار زادا من نسبة المدمنين على النرجيلة من قبل من تقل أعمارهم عن الـ25 سنة.

ويؤكد الإختصاصيون في أمراض الجهاز التنفسي، أن تدخين النرجيلة يؤثر على النمو الصحيح للرئتين التي لا يكتمل نموها إلا في سن الخامسة والعشرين. ويؤثر التدخين بشكل عام لدى الأطفال والشباب على نمو القصبات الهوائية ونسيج الرئتين مما يعرّضهم إلى الإصابة بالربو والحساسية حيث يضعف عدم النمو الصحيح للرئتين مستوى وظيفتها.

وعلى الرغم من أن القانون اللبناني يمنع القاصرين ما دون الثامنة عشرة من التدخين وشرب الكحول في الأماكن العامة، وينص على تغريم أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي في حال المخالفة، وحظر تزويد القاصرين بأي منتج من المنتجات التبغية وتقديمها لهم بأي وسيلة كانت كالبيع أو التوزيع المجاني، لكن هذا لم يردع المشرفين على المقاهي والمطاعم من تقديم النرجيلة للأطفال، فالنادل لا يهمه من الذي سيدخن النرجيلة، بل يهمه كم سيجني من تقديم هذه الخدمات، وهي أوامر صاحب المحل الذي ينكر في العادة تقديم النرجيلة للأطفال إذا ما سئل من قبل السلطات المعنية.

مخاطر تدخين النرجيلة لا تتوقف عند المدمنين بل تشمل أيضا الأطفال الذين يعيشون في أسرة مدمنة تشعل فحم النرجيلة ليحلو سمرها، فبحسب أرقام وزارة الصحة اللبنانية يتعرض حوالي 80 بالمئة من الأطفال للتدخين السلبي في منازلهم و75 بالمئة منهم في الأماكن العامة، علما وأن التدخين السلبي لمدة نصف ساعة يوازي تدخين 3 إلى 4 سجائر.

النساء يفتخرن

ظاهرة تدخين النرجيلة قديمة في صفوف النساء من كبار السن في لبنان، لكن أصبح من المألوف أن نجد نساء وفتيات صغيرات يدخنّ النرجيلة في المقاهي العامة والمراكز التجارية وبعضهن من طالبات الجامعة والبعض الآخر موظفات أو ربات بيوت، بدوافع مختلفة لا تستطيع أغلبهن تحديدها، فالبعض منهن يعتبر ذلك تسلية من باب “البريستيج” أو “التقليعة” أو متنفسا من الضغوط اليومية، في حين أن تدخين النرجيلة عند كبار السن هو من العادات الأسرية، إذ البعض منهن اعتاد تدخينها في السهرات العائلية، والبعض الآخر يعتبرها مكملة للمسؤولية خاصة عند اللاتي يتحملن مسؤولية العائلة بعد وفاة الزوج بحسب باحثين اجتماعيين.

سهام موظفة من بيروت (22 عاما)، تقول “لا أعرف لماذا أدخن النرجيلة، ولكن أشعر براحة نفسية في بعض الأحيان.. أصبحت النرجيلة بالنسبة لي عادة يومية حين ألتقي مع أصدقائي بعد دوام العمل وعلى رأي المثل دخن عليها تنجلي”. أما منيار الطالبة الجامعية، فقد تعلمت تدخين النرجيلة مع صديقها الذي تلتقي معه كل مساء في المقهى يتسامران لوقت طويل، معتبرة أن النرجيلة بالنسبة لها مجرد تسلية ونوع من التغيير ومجاراة الواقع الذي تعيش فيه.

سمر تلتقي مع زملائها الطلبة مساء في المقهى حول عدة نرجيلات في حلقات سمر ونقاش، مؤكدة أنها تعيش مشكلات نفسية واجتماعية تحاول أن تنساها، مضيفة أن الكثيرات من الفتيات يدخن الشيشة من باب التقليد والتسلية.

ويقول المختصون النفسانيون٬ أن الفتاة تجرب تدخين النرجيلة وتدمن عليها لسببين٬ أولهما أنها تكون في حالة اكتئاب، فتحاول التعويض عن حالتها٬ والسبب الثاني أنها تكون لديها مشكلات عاطفية مع زوجها أو حبيبها٬ فهذه المشكلات التي تحدث بينهما تجعلها تتمرد وتنتقم من الطرف المقابل وتتحداه من خلال تدخينها النرجيلة.

والمرأة اللبنانية أصبحت تتمتع بالحرية حيث تخلصت من القيود التي كان يفرضها المجتمع عليها٬ وأصبحت تنافس الرجل في كل شيء، فأصبح التدخين شيئا عاديا يمكنها فعله في العلن أيضا كما يفعل الرجل.

اليوم العالمي للحد من التدخين مناسبة للتذكير بأضرار التبغ

وحول المضار الصحية التي تلحق بالنساء والفتيات من جراء التدخين المتواصل للنرجيلة يقول الأطباء المختصون٬ إن مادة النيكوتين في النرجيلة تؤدي إلى ظهور تجاعيد مبكرة٬ وتقلل من خصوبة المرأة وربما تتسبب في العقم٬ مشيرين إلى أن مادة النيكوتين في النرجيلة٬ لها تأثير على الأوعية الدموية وتجعلها تتقلص وهذا يؤدي إلى شحوبة الوجه ويجعل وجه المرأة رماديا. ويسبب تدخين المرأة الحامل للنرجيلة نقصا في نمو الجنين وصعوبة في تنفسه٬ إضافة إلى الإجهاد المتكرر لها وهذا ما أثبتته الدراسات العلمية.

وبالرغم من سن قوانين في لبنان تمنع التدخين في الأماكن العامة والمغلقة إلا أنها ظلت حبرا على ورق في أدراج الإدارات المعنية، فالمعنيون من تطبيق القانون من مراقبي وزارة الصحّة العامة، ومديرية حماية المستهلك، والشرطة السياحية، لا يبذلون الجهود الكافية التي يمكن أن تساهم في الحد من انتشار هذه الظاهرة الخطيرة.

وأعرب مدير مشروع برنامج الحد من التدخين في وزارة الصحة فادي سنّان، عن استيائه من مدى انتشار ظاهرة النرجيلة بشكل متصاعد، ومن دون أي رادع، نظرا لما تتركه من آثار سلبية على الصحة.

وقال لموقع “غرين إيريا”، “منذ فترة جاءنا وفدان من كل من منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة ودرسا وضع لبنان في كيفية الحد من التدخين ومدى تطبيق القانون للحد من مساوئ التدخين، فتبين لهما أن الالتزام بالقانون كان في القطاع الصحي والمولات والمطار والمدارس، حيث التطبيق لا بأس به، إنما بالمقابل، وللأسف لم يطبق كما يجب في المطاعم اللبنانية”.

ويأسف سنّان لانتشار النرجيلة بشكل واسع بين الناس من دون أي رادع، خصوصا عند المراهقين، وقال “إن رخص أسعار التدخين وانتشار النرجيلة يحولان دون تطبيق القانون في منع التدخين بشكل فاعل”. ويقول رئيس لجنة الصحة النيابية عاطف مجدلاني، “بكل أسف أقول لم يكن هناك التزام فعلي في تنفيذ قانون منع التدخين، خصوصا من الوزارات المعنية، سواء الصحة أو الاقتصاد أو السياحة، وتعبنا على مدى ست سنوات في إقراره، ولكن لم يطبق كما يجب بالرغم من التحذيرات التي وجهناها للمعنيين عن تداعيات مضار التدخين”.

20