النزاع الروسي الأوكراني فصل جديد قديم لحروب الشرق والغرب

الغرب يسعى إلى جذب أوكرانيا إلى طرفه، ولهذا السبب أدى تغيير النظام الأوكراني عام 2014 إلى توتر العلاقات بين موسكو وكييف من جهة، وموسكو وواشنطن من جهة أخرى.
الخميس 2018/12/06
إبقاء الإصبع على الزناد

كييف – تتواصل الأزمة الروسية الأوكرانية، بعدما أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الأربعاء أنه لا يستجيب لمحاولات نظيره الأوكراني بيترو بوروشينكو، للحديث معه عبر الهاتف، لأنه لا يريد المشاركة في الحملة الانتخابية للأخير.

هذه الأزمة السياسية والتي قد تصل إلى طريق مسدود قد يفضي إلى تدخل عسكري روسي عقب إعلان الرئيس الأوكراني أن كييف ستلجأ إلى المحكمة الدولية التابعة للأمم المتحدة بشأن احتجاز البحارة الأوكرانيين في روسيا بعد حادث مضيق كيرتش، تتطلّب وجوب تسليط الضوء على عمق النزاع بين البلدين الشقيقين في كافة المجالات.

وقبل الحديث عن قيام قوات خفر السواحل في روسيا يوم 25 نوفمبر الماضي بفتح النيران واحتجاز ثلاث سفن أوكرانية وطواقمها (24 بحارا) في مضيق كيرتش، قبالة سواحل شبه جزيرة القرم المتنازع عليها بين الجانبين، فإنه من الضروري العودة إلى أصل الخلافات بين البلدين التي تحوّلت من سياسية إلى دينية عقب إعلان الإدارة الأوكرانية عن استقلال الكنيسة الأوكرانية عن الروسية.

وبالعودة إلى تاريخية النزاع فإن الأزمة الأخيرة بين البلدين هي بمثابة تواصل لنزاع عنوانه الكبير المعركة حول مضيق كيرتش وبحر آزوف. ولا يعد النزاع بين البلدين وليدا، حيث توترت العلاقة بينهما عقب خلع الرئيس الأوكراني المقرب من روسيا، فيكتور يانوكوفيتش.

وتعتبر روسيا في توجهاتها السياسية أن عودة أوكرانيا إلى فضائها ضرورة لإحياء أمجاد الإمبراطورية الروسية الكبرى، باعتبار أن مصالحها الجيو-سياسية تقضي بأن تكون أوكرانيا ضمن فضائها نظرا إلى موقع أوكرانيا الاستراتيجي، والرابط بين أوروبا وروسيا.

ولم تسفر هذه الأحداث عن اشتداد النزاع بين روسيا وأوكرانيا، بل أدت إلى زيادة وتيرة “الحرب الباردة” مع بدء الفترة الرئاسية الثالثة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وفضلا عن ذلك تعد أوكرانيا واحدة من ساحات الصراع في الحرب الباردة، حيث أصبحت من أهم المواضيع التي جعلت روسيا والغرب في مواجهة، عقب انهيار الاتحاد السوفييتي.

وتحتل أوكرانيا مكانة مهمة بالنسبة لروسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين، حيث تعتبر موسكو أنها مازالت صاحبة تأثير على الدول الناشئة عن تفكك الاتحاد السوفييتي، عدا دول البلطيق.

في المقابل، يسعى الغرب، على العكس تمامًا، إلى جذب أوكرانيا إلى طرفه، ولهذا السبب أدى تغيير النظام الأوكراني عام 2014 إلى توتر العلاقات بين موسكو وكييف من جهة، وموسكو وواشنطن من جهة أخرى.

واشتعل فتيل الأزمة الأخيرة، حسب موسكو، مع انتهاك 3 سفن أوكرانية المياه الروسية، حيث احتجزت البحرية الروسية تلك السفن، وأعاقت مرورها من مضيق كيرتش.

في المقابل، نفى المسؤولون الأوكرانيون صحة الاتهامات الروسية، واتهم كلا الجانبين بعضهما البعض باتخاذ خطوات تحريضية.

وبعد تفكك الاتحاد السوفييتي، توصلت روسيا وأوكرانيا إلى حل أزمة بحر آزوف ومضيق كيرتش نتيجة مفاوضات طويلة، لكن الموازين اختلت مجددًا إثر ضم الجانب الروسي لشبه جزيرة القرم، ومع اعتبار كلا الطرفين تبعية القرم لهما، فإن الحدود البحرية لكل منهما تشهد بعض الاختلاف، وكلا البلدين يعدان نفسيهما على حق. ورغم ضم روسيا للقرم قبل 4 أعوام، إلا أن أوكرانيا تحاول تصوير الأزمة وكأنها وقعت حديثًا، حيث يجب التنويه هنا بأن هذه الأزمة تصب في مصلحة أوكرانيا وتتعارض مع مصالح روسيا.

من الناحية السياسية يرى مراقبون أيضا أن أنباء تسبق الانتخابات الرئاسية في مارس 2019 من قبيل إعلان بوروشينكو لحالة الطوارئ ستؤدي إلى تأجيل موعد الانتخابات، ما يؤكّد أن الأزمة تصب في صالح الرئيس الأوكراني من حيث السياسة الداخلية وموازين القوى.

وتحمل الأزمة أهمية من حيث تسريع مفاوضات عضوية أوكرانيا في حلف شمال الأطلسي “الناتو”، فرغم سعي الغرب – على مدى 30 عامًا – إلى إبعاد أوكرانيا عن روسيا، إلا أنه لم يتم قبول عضويتها في كل من الناتو، والاتحاد الأوروبي حتى الآن.

ومن شأن هذه الأزمة توتير العلاقات بين روسيا ودول الاتحاد الأوروبي، بعدما شهدت تحسنًا تدريجيًا مؤخرًا وأمام هذه الأوضاع، يبدو أن روسيا لن تميل للدخول في صراع مع أوكرانيا، خاصة وأن اقتصادها يعاني ظروفًا صعبة، ومن ناحية أخرى، فإن تحسن العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي لا يخدم مصلحة أوكرانيا.

6