النزعة الأوتوبيوغرافية في منحوتات الفنانة لويز بورجوا

الاثنين 2014/07/14
الرسامة والنحاتة الفرنسية – الأميركية لويز بورجوا: آثارها تجريد متوحد وقلق

لندن - يميل بعض الفنانين التشكيليين إلى توظيف تجاربهم الشخصية في أعمالهم الفنية، خصوصا إذا انطوت هذه التجارب على أبعاد نفسية متشابكة تكشف في جوهرها عن مكنونات النفس البشرية المعقدة. فالرسّامة والنحّاتة الفرنسية – الأميركية لويز بورجوا (1911 /2010) تغرف من سيرتها الذاتية الكثير من ثيماتها الأساسية.

لويز بورجوا كانت تعيش بين أبوين إشكالييّن، فالأب لويس بورجوا متطرف في خياناته الزوجية، والأم جوزفين فوريو متطرفة في السكوت على هذه الخيانات المتواصلة. الأب مستبد على الأسرة برمتها، والأم خانعة، ومستسلمة للأمر الواقع، لكنها ذكية، صابرة، طويلة الأناة في نظر ابنتها لويز على الأقل.

فلا غرابة أن تحولها إلى منجم عميق، وذاكرة متشعبة تستمد منها موضوعات عديدة تبدأ بالصدمة، والخيانة الزوجية، وتمر بالقلق والوحدة، وتنتهي بالصراع والإحباط والهشاشة.

تكشف السيرة الذاتية لبورجوا وأبويها عن ثلاث شخصيات مثيرة للجدل، حيث انتبهت هذه الابنة منذ وقت مبكر إلى طبيعة العلاقة العاطفية التي يقيمها الأب مع “سَيْدي”، مربية لويز ومعلمتها لمادة اللغة الأنكليزية.

الأمر الذي يوحي أن هذا الأب المهيمن يمكن أن يمارس خياناته الزوجية مع نساء أخريات، فلا غرابة أن تتخذ لويز من الأب، بوصفه خائنا، وناكرا للجميل، موضوعا للعديد من أعمالها النحتية التي استقتها من سيرتها الأسرية مستثمرة بعض الوقائع السيئة والذكريات المؤلمة التي تدين من خلالها أفعال هذا الأب الأناني الذي كان يذل الأسرة برمتها، من خلال لهاثه المتواصل خلف غرائزه وشهواته الجسدية المحمومة.

كما اتخذت من أمها أنموذجا إيجابيا في العديد من المنحوتات التي تمترست وراء أبعاد رمزية لا يجد الناقد الحصيف صعوبة في فك طلاسمها، وتفسير معانيها الغامضة.

لا بدّ من الإشارة إلى أن بورجوا هي رسامة تجريدية، لكن غالبية لوحاتها توحي بالأشكال البشرية المتوحدة، القلقة، والمصدومة بشكل من الأشكال، خصوصا إذا عرفنا أن صدمتها الأولى هي اكتشافها لخيانة أبيها لأمها، هذه المرأة الصابرة، المتماسكة التي لم تقلب الدنيا رأسا على عقب، وإنما اكتفت بغض الطرف على أمر لا يمكن السكوت عليه من وجهة نظر النساء جميعا.

لا تعوز الفنانة بورجوا أية تقنية حديثة، فهي مكتملة الأدوات، وقد تدربت بما فيه الكفاية في المعاهد والكليات والدروس الخصوصية التي أفادتها كثيرا، حتى أن الفنان الفرنسي فردناند ليجيه قد نبّهها إلى “أنها نحاتة وليست رسامة”، كما أنها درست الرياضيات وعلم الهندسة قبل أن تتخصص في الفن التشكيلي وتنهل منه الكثير من المعارف والتقنيات الحديثة.

وبما أن والدها المستبد كان يضايقها حتى في رسم معالم مستقبلها، فهو يعتقد أن الفنانين المُحدثين متبطّلون ولا يصلحون لشيء، لذلك رفض دعمها في مواصلة دراستها الفنية غير أنها أصرّت على تحقيق هذا الحلم الجميل الذي يداعب مخيلتها ليل نهار.

ثمة أعمال فنية كثيرة تتوزع بين الرسم والنحت وفن “الإنستليشن” مستوحاة من سيرتها الذاتية والأسرية، وسنكتفي بالتوقف عند عملين فقط، وهما “تدمير الأب” 1974 و”ماما” 1999، اللذين يعدان من أبرز أعمالها النحتية والتركيبية.

فعمل “تدمير الأب” يذكرنا بصدمة بورجوا الأولى، حينما اكتشفت أن والدها يخون أمها مع المربية والمعلمة “سَيْدي”. وعلى الرغم من أن بعض الدراسات النقدية تقول إن هذا العمل الفني مستوحى من “حُلم” ما مفاده أن الأم وأطفالها ينقضّون على الأب ويمزقونه إربا إربا ثم يلتهمون أشلاءه المقطعة في وليمة دسمة ترضي غائلة الانتقام.

العمل منفذ بمواد متعددة من الجص واللدائن والخشب والنسيج والضوء الأحمر. وفي أثناء الولوج إلى جوف التركيب يشعر المشاهد وكأنه يقف في أعقاب جريمة ارتكبت للتو بعد أن تمرد الأطفال على أبيهم، ثم قتلوه وأكلوه في نهاية المطاف.

أما المنحوتة الثانية التي أنجزتها بورجوا عام 1999 فهي منحوتة “ماما” التي استعملت فيها العنكبوت كهيكل رمزي شديد الدلالة بالنسبة إليها. نُفِّذت هذه المنحوتة من الفولاذ والرخام بارتفاع 30 قدما، وبعرض 33 قدما، وتحتوي على كيس يضم 26 بيضة رخامية، أما بطن العنكبوت وصدره فهما مصنوعان من برونز مضلع.

جدير ذكره أن النسخة الأصلية مصنوعة من الفولاذ، أما النسخ الست المتتالية فقد صنعت من البرونز.

ترمز منحوتة العنكبوت إلى قوة أم لويز مع استعارة إلى قدرتها الواضحة في الغزل والنسيــــج وتوفير عنصري الرعاية والحماية.

قالت لويز ذات مرة: “العنكبوت هو أنشودة لأمي التي كانت أفضل صديقة لي. كانت أمي نسّاجة مثل عنكبوت”، ثم تقارن بين أمها وأي عنكبوت يأكل البعوض الذي ينشر الأمراض، لتوحي بأن أمها كائن مفيد يوفر لها الحماية من صروف الزمان وأمراضه.

كثيرا ما تقارن أبويها ببعض الحيوانات فإذا كان الأب ذئبا متوحشا، فإن الأم ستكون بالضرورة أرنبا أبيض وديعا. ثمة موضوعات كثيرة تجسدها الفنانة لويز بورجوا وعلى رأسها الجنس وتمظهراته العديدة التي لا تجد حرجا في البوح بها، فهي كما أسلفنا فنانة بَوْحية قبل كل شيء وقد استثمرت سيرتها العائلية أفضل استثمار، حتى قيل عنها أنها فنانة وإنسانة بلا أسرار.

16