النزعة التعبيرية في الأدب والفن.. الذاتية المفرطة

الاثنين 2013/12/09
"برج أنشتاين" للمعماري إريك ميندلسون

على الرغم من أنّ المذهب التعبيري قد تبلور في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، إلاّ أننا نستطيع أن نتتبع ملامحه في فنون عصر النهضة الأوروبية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، ويكفي أن نشير هنا إلى رسّام عصر النهضة الألمانية ماتياس غرونيفالت، وفنان عصر النهضة الإسبانية إل غريكو الذي كان موزعا بين الرسم والنحت والفن المعماري لنؤكد صحة ما نذهب إليه. والتعبيرية في تعريفها العام هي ميل للذاتية المفرطة، ونبذ للعوالم المرئية الوضعية والانطباعية والواقعية التي تصوّر الفيغرات والموضوعات، كما هي عليه في العالم الحقيقي، من دون أن تجنح إلى الجانبين الخيالي أو الرومانسي، وهما ركنان أساسيان من أركان أي عمل فني.

لقد ظهرت التعبيرية كمذهب فني شاع في مختلف الأجناس الأدبية والفنية في أواخر القرن 19، ثم ترسخ كليا في أوائل القرن العشرين. ففي حقل الشعر يمكن الإشارة إلى عدد غير قليل من الشعراء التعبيريين أمثال جورج تراكل، إرنست ستادلر، أوغست سترام، جورج هايم وت.س. إليوت، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن غالبية الشعراء التعبيريين قد تأثروا بـ"إشراقات" رامبو، و"أزهار الشر" لبودلير، حيث تتأجج المشاعر التعبيرية في قصائد هذين الديوانين اللذين تركا بصمتهما القوية على الأجيال الشعرية اللاحقة، التي لا تجد ضيرا في عملية التلاقح أو التأثر والتأثير وما إلى ذلك.


نبذ الالتزام


تتسع الدائرة التعبيرية في حقل الرواية لتشمل كُتابا من طراز فرانز كافكا، ألفريد دوبلن، إرنست همنغواي، جيمس جويس، د.ه. لورنس، باتريك وايت، وليم فوكنر وعشرات الأسماء الإبداعية الأخرى الراسخة في المشهد الروائي العالمي المعاصر، ولا غرابة في أن يحيلنا النقاد إلى روائع تولستوي وديستويفسكي وغيرهما من رموز المذهب التعبيري، الذي يتمركز على الذاتية الإبداعية الخلاقة ويستغور عوالمها الدفينة الغامضة ليصنع منها أعمالا أدبية خالدة.

لا غروّ في أن الفن التشكيلي هو الحقل الأغنى في المدرسة التعبيرية، والمفجّر لها سواء على الصعيد الفردي أم على الصعيد الجماعي الذي أخذ طابع التجمعات الفنية مثل "الجسر" التي ضمّت كلا من فرتز بليل، إرنست لودفيك كيرشنر، أميل نولدكه، إريك هيكِل، وأوتو ميللر، أو "الفارس الأزرق" التي تألقت بأسماء عدد من الفنانين الروس أمثال فاسيلي كاندنسكي، أليكس فون جيولينسكي، ماريان فون فيرفكين إضافة إلى فنانين ألمان معروفين مثل فرانز مارك وأوغست ماكه وغابرييل مونتر.

وقد ركّز هؤلاء إجمالا على المشاعر، والحالات الذهنية، والانفعالات الداخيلة للفنان التعبيري الذي لا يحبّذ الالتزام بالقواعد الكلاسيكية، والشروط الأكاديمية الصارمة للعمل الفني.

ثمة تقنيات عديدة لإنجاز العمل الفني التعبيري لا يمكن الإحاطة بها في هذا المجال الضيق لكننا سنتوقف عند أبرزها وهي تشويه الأشكال الحقيقية المستوحاة من الواقع، وتكثيف ألوانها باستعمال الضربات العنيفة للفرشاة، وخلق فضاء من التضادات اللونية، والخطوط الحرة القوية التي تعبّر عن مشاعر الفنان الداخلية بما فيها من عنف وتوتر وانفعال. وهم لا يرون في تقليد الطبيعة أو نسخ الأشياء والفيغرات البشرية عملا إبداعيا. فالإبداع من وجهة نظرهم هو الإتيان بشيء جديد يمسك بالحالات الذهنية والنفسية للفنان ويعبّر عنها خير تعبير.


مذاهب عدة


لقد تشظّى المذهب التعبيري ووجد طريقه إلى غالبية الأجناس الأدبية والفنية. ففي المسرح يمكن الإشارة إلى جورج كايزر، أونيل، بيرتولد بريخت ورينهارت سورج.

وفي الموسيقى يمكن أن نحيل القارئ إلى الموسيقار أرنولد شوينبيرغ الذي وصف النازيون أعماله الموسيقية بـ"الفن المُنحّل"، والموسيقار الشهير ريتشارد شتراوس، مؤسس المدرسة الحديثة التي استفزت سمفونياته المحافظين لما فيها من جرأة وتجديد غير مألوفين، إذ استعمل في سمفونية "جبال الألب" أجهزة تُحدث كتلا صوتية قوية لتجسيد أصوات الرياح العنيفة والعواصف المدوّية. وربما يذكّرنا هذا العنف الصوتي بالعنف اللوني من جهة وبالعنف اللغوي من جهة أخرى، وهي سمة مشتركة بين الفنون التعبيرية كلها.

لم تكن السينما بمنأى عن الفن التعبيري فقد لمع اسم فريتز لانغ كمخرج سينمائي تعبيري من خلال فيلمه "متروبوليس"، الذي ساهم إلى حدّ كبير في خلق نوع سينمائي أُطلق عليه تسمية "Film noir"، وهو "نمط من أفلام الجريمة والدراما الهوليوودية" التي تأخذ طابعا ميلودراميا يمزج بين العاطفة والدراما.

وقد بلغت بعض أفلام فريتز لانغ مستوى التحفة أو الأيقونة البصرية مثل فيلم "إم" أو "متروبوليس" المُشار إليه سلفا. لقد توسّعت مديات السينما التعبيرية لتضمّ أفلام الرعب والقتل والإثارة النفسية، كما هو الحال في فيلم "النزيل" و"الرجل الذي عرف أكثر من اللازم" لألفريد هيتشكوك. و"الضحكة الأخيرة" و"شبح" لـأف. دبليو. مورناو، و"طالب من براغ" لسيلان راي وسواهما من الأفلام التعبيرية التي ترسخت في ذاكرة المتلقين في مختلف أنحاء العالم.

المعمار له حصته في التعبيرية أيضا ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى "برج أنشتاين" للمعماري إريك ميندلسون الذي لم يستعر شيئا من الموروث المعماري أول الأمر، وإنما نهل الكثير من رسومات التعبيريين ومنجزاتهم الفنية وأفاد منها، معتمدا على الخطوط الانسيابية المنحنية، ونفوره من الزوايا القائمة. وقد أسهب النقاد المعماريون في تحليل عناصر هذه التحفة المعمارية ومعطياتها التعبيرية التي تنطوي على قدر كبير من الفتنة والإثارة والإدهاش.

16