النزعة الثقافوية

الجمعة 2015/03/06

يلاحظ المرء أن المثقفين العرب متأخرون دائما في استيعاب المفاهيم، والمناهج، والتيارات الثقافية، والفكرية، والفنية والسياسة التي تولد خارج الفضاء الثقافي العربي، أما توظيف هؤلاء لهذه المفاهيم في حياتنا الثقافية والفكرية فنادرا ما يتسم بالجدية والاستمرارية، والملاءمة مع خصائص وتميّز مجتمعاتنا.

في هذا الخصوص فإنه يمكن للمرء ضرب أمثلة لا تحصى منها، مثلا، أن منهج الشك الديكارتي الذي ولد على أيدي ديكارت في كتابه تأمّلات في الفلسفة الأولى الذي كتبه في عام 1641، لم يدخل إلى الساحة الثقافية العربية إلا بعد قرنين و85 سنة على يدي الدكتور طه حسين في عام 1926، ثم أصيب بالكساح وأصبحت اليقينيات الفكرية الجامدة عندنا هي سيدة الموقف. وفي الواقع فإن الاستقبال العربي للفكر العالمي لا يخرج غالبا عن نطاق التعامل السريع مع الموضة الذي ينطفئ بنفس السرعة.

إن المثال الثاني الذي نشير إليه هنا هو ما يحدث الآن في مجال النقد الثقافي بشكل ملفت للنظر حيث أن مفهوم “الثقافوية”، على سبيل المثال يذكر هنا وهناك دون تمحيص خلفيته التاريخية والضرورات التي أنجبته، أو تطويره، أو تفعيله جديا في حياتنا النقدية.

تفيد الموسوعات والكتب المؤرخة للنقد الثقافي أن مفهوم الثقافوية قد ولد في الغرب عدة مرات متمايزة، مرة في صورة مفهوم فلسفي في عام 1919، على يدي المفكر وعالم الاجتماع البولندي- الأميركي فلوريان زنانيكي، وذلك في كتابه “الواقع الثقافي” وكانت غايته إعادة بناء النقاش حول “القيمة والفعل”، ولكسر الثنائية: الطبيعة/ الثقافة المتضادة.

ثم تأتي عالمة الاجتماع البولندية إلزبياته هلاس لتلخص وتطور هذا المشروع ليشمل تجاوز “ثنائية الذات/ الموضوع من أجل توحيد الفكر مع الواقع”، ولإدراك أن “الواقع ليس نظاما مطلقا بل إنه يتغير ضمن التطور الإبداعي”، وأن “كل صور العالم نسبية”، وأنه “من الخطأ الإقرار بتضاد الطبيعة والثقافة”، أو “جعل الثقافة تابعة للطبيعة”.

ومرة ثانية كمفهوم أنثروبولوجي بركيزته التحليلية النفسية على أيدي كل من روث بنديكت ورالف لينتون. وكان مسعى كل هؤلاء هو منح “الأهمية البالغة للتفاعل الثقافي بين الإثنيات والمجتمعات”.

وفي المرة الثالثة ولد مفهوم الثقافوية على أيدي مدير مركز بيرمينغهام للدراسات الثقافية ريتشارد جونسون في الخمسينات من القرن العشرين من أجل "وصف الإنتاج النقدي الثقافي لكل من إدوارد طومسون وريتشارد هوغارت، وريموند وليامز" كما يؤرخ لذلك الناقد البريطاني جون سطوري الذي يعتبر هؤلاء الرواد المؤسسين للنقد الثقافي كتيار فكري له أسسه النظرية ويتميز بمقاومته خاصة للتقليد الثقافي المرتبط عضويا ومصيريا بالرأسمالية المستغلة.


كاتب جزائري مقيم بلندن

15