النزوح حين يكشف عن مرض العنصرية

السبت 2014/01/18

يلاحظ أنّ المنطقة العربية شهدت وبفترات قريبة حركة متضاربة في النزوح واللجوء، تعرّض لها كلٌّ من الشعب العراقي بُعيد الغزو الأميركي، أو الشعب اللبناني منذ انطلاقة حربه الأهلية، وما تبعها من توترات وحروب إلى الآن. هذا عدا عن المأساة الفلسطينية، إثرَ نكبة 1948، التي مازالت آثارها تختلط بواقعنا هذا. لا بل إنّ الفلسطيني قد جمع هجرة فوق هجرة، كما حدث ويحدث مع مخيّم اليرموك المحاصر منذ أكثر من عام. حتى بات الجوع يفتك بمن تبقى من القاطنين فيه.

وتعدّ أزمة اللاجئين السوريين، من أخطر ما يتعرض له الشعب السوري في محنته الراهنة؛ جرّاء ثورته بوجه حاكميه، وانخراط أهالي المخيمات الفلسطينية بجسد الثورة والتحامهم بالمصير الواحد مع أشقائهم. فمؤخراً صدر عن المفوضية العليا للاجئين تقرير يفيد بأن أكثر من 55 بالمئة من اللاجئين في العالم، أي ما يقارب الثلثين، هم من: سوريا والعراق والسودان، والصومال وأفغانستان. دولتان من المشرق العربي ضمن هذا التصنيف.

هذه الحركية في الهجرة واللجوء، وعواملها التي تتأسس على ما يمكن تسميته بـ”القسر الخارجي”، عن الفعل الطبيعي لحركة الشعوب في منطقتها وأرضها التاريخية. أي بالفاعلية العسكرية وقوة آلتها، كما يتضح في عموم النماذج أعلاه. ما خلّف الكثير من الأمراض الاجتماعية التي تعاني منها الدول الفاشلة، والعاجزة عن احتواء أزماتها داخل حدودها الوطنية، واجتراح حلولها وفقاً لتلك الشروط. وسنحصر الحديث هنا عن الأمراض في سلوكيات معينة، لاحظناها مؤخراً عبر اللجوء السوري إلى دول الجوار. وما يقاسيه بالأخص من تنميطات عنصرية كواحدة من أبرز “اللوثات الحضارية” التي واجهت بها المجتمعات المحلية بعضها البعض. هذا في حال لم نتطرق إلى ما يواجهه اللاجئ من إهمال حكومي، وأمراض عضوية باتت منتشرة لانعدام الرعاية الخدمية والصحية. إذن هل علينا أن نجهّز أنفسنا لمواجهة “العنصرية” مع كل منخفض أو حسب حالة الطقس ورداءته الطبيعية والسياسية مثلا؟ كما تندّر أحدهم على المعاملة السيئة التي يلاقيها اللاجئ السوري في المنافي والمخيمات.

في حقيقة الأمر عندما نريد أن ندقق في معنى عنصرية شعوب المنطقة بالضد من بعضها. يكون ما نريده هو تفصيل القول بانعدام الثقة والتأليب على الآخر والحساسية الهوياتية للـ(نحن) تجاه (الآخر) الذي يزاحمني في أرضي ورزقي. وزيادة في الطلب على “حدود” لعالم/نا. هذه الصفات وغيرها، هي ما يطغى على لحظة السلوك العنصري وذهنيته القائمة على زيادة أكثر في التوتير. إلّا أننا وأمام هذه الصيغ نجد أنفسنا مضطرين لتجاوز سياقات العنصرية كسلوك يؤدّيه الفرد، إلى مفهوم أكثر احتواءً للواقع السياسي للمنطقة، وهذا مؤدّى القول فيما نريده. لذلك سنستخدم مصطلح “الانعزالية” كونها أقرب للدلالة على الصيغة الجمعية وتـُناسِب رحابة الدول والمجتمعات لا الأفراد وسلوكياتهم. ويتيح لنا أيضاً تلمُّس الصور والضروب التي تجسّدت فيها، والتنويعات على مرّ الفترة الحديثة والمعاصرة. لكن يبقى شعور النازح بالاغتراب عن أرضه وأماكنه التي ألفها، أكبر عقبة تمنعه عن تكيّفه النفساني مع محيط جديد أجبر على الارتحال إليه.

وبالرغم من أنّ شعوب المنطقة ليست على قدر متفاوت من الفوارق الحضارية سواء بالموروث أو أنماط المعيشة والسلوك، إلى درجة تدفعنا لتقييد صفة “الجديد” وعدم إطلاقها على كامل “أماكن النزوح ومحيطها”، مع ذلك ظلّت العنصرية، وإعادة إحياء الحساسيات الضيّقة على حساب القيم “الغنائية” من نصرة المظلوم وإغاثة الضيف، التي يحفل المخيال الشعبي بالترويج لها، والتي كنّا نعتقد أنها تشكّل نوعاً من الحصانة ضد العنصرية وأمراضها أفضل مما رأيناه.

ربّما تكمن المشكلة إذن في المشترك أكثر منها في التمايز، نعم فإنّ ما يجمع هذه الشعوب ليست إيجابية روابط تجسير الثقة بالذات الحضارية الواحدة لشعوب المنطقة والدفاع عنها. بالقدر الذي تبدو فيه أنّ شراكة منظومة من الفشل السياسي، وتقهقر مشروع الدولة على صعيد ماهيتها كمشروع للأمة من جهة، أو تخلّف مرتكزاتها وعقم تطورها جرّاء فساد النخبة العاجزة عن حمل أية خطّة نهضوية حقيقية من جهة أخرى. من هنا بالذات تنامت الدعوات الأصولية والطائفية، وحتى القبلية وكل هذا يدور في فلك “ما قبل الوطنية”.

أمام هذا الجو الفوقي الفاسد وعجزه وتخريبه لمكتسبات تاريخية أنجزها المجتمع، يصبح الحديث زائفاً عن اتهام أو التشكيك في قدرة الشعوب على تجاوز محنتها، لا بل إحالة محنتها إلى أسباب “جوهرية” من طبائعها وصنعة يديها، أو أنّها تستبطن عدائيةً تمنع من الاندماج، أو تنافراً غير قابل للتغيّر.

أخيراً، لا يبدو أنّ للمنطقة وشعوبها مستقبلاً، دون إعادة تصوّر لمشروع دولة أكثر رحابة من ضيق الدولة الوطنية الآخذة بالتحلل، يعيد حركية الشعوب إلى تفاعلها الطبيعي والتاريخي بعيداً عن القسر الخارجي وآلته العسكرية، وليس هناك مقوّمات لذلك أفضل من إعادة البناء سياسياً على تلك القيم التي انطلقت منها الثورات الشعبية الحاصلة.


كاتب سوري

8