النزول إلى البحر

الخميس 2013/10/24

أتاحت لي فرصة أيام العيد أن انتقل مع العائلة إلى منتجع سياحي على البحر في مصر، لقضاء أيام الإجازة مع أجواء المصيف وأمواج البحر، وعند دخولي إلى البحر، تذكرت أن أعواما كثيرة جدا مضت عن آخر مرة التقيت فيها بأمواج البحر، ربما عقد ونصف من السنين. وكان الله قد حباني بقضاء صباي وشبابي الأول في طرابلس، حيث كان قضاء الصيف على البحر تقليدا ثابتا في حياة أهل المدينة، ولا أعتقد أنني تركت صيفا واحدا في تلك المرحلة من العمر يمر، دون أن تكون لي مشاركة في تأجير كابينة في أحد بلاجات طرابلس الكثيرة، وهي بلاجات تفنن الإيطاليون في تصميمها على أعلى وأرقى المستويات الموجودة في الريفييرا الإيطالية، وعندما تركوا البلاد ولم تبق إلا جالية صغيرة، خصصوا لها بلاجا قريبا من وسط المدينة اسمه «الليدو»، أما باقي البلاجات فقد ظلت تحت استغلال بلدية طرابلس تديرها وتتولى وضع لجان لتسييرها، والاستفادة من ريعها.

وقد واصلت الاستمتاع بهذا التقليد الطرابلسي سنوات قليلة بعد قيام الانقلاب، حيث سافرت عند منتصف السبعينات في مهمة خارج البلاد، تاركا طرابلس وصيفها وأمواج بحرها، ورغم أنها رحلة لم تزد عن بضع سنوات، إلا أن شيئا في كيمياء الوطن ليبيا، كان قد تفاعل وصنع تحولات جيوبوليتيكية وبيئية وإسكانية واجتماعية وديموغرافية، جعلت تقاليد الاحتفاء بالبحر تتضاءل، وبدأت تظهر نتائج مخطط تصحير المدن، وتغليب القيم البدوية وإحلالها في المدن مكان القيم التي تعايش معها أهل المدينة لعشرات آلاف السنين.

وأقول أننا سمعنا في ليبيا وبشكل متكرر، كلاما للطاغية يعبر فيه عن كراهيته للبحر، وأكثر من مرة كراهيته للمدن، وكان بعض أركان حكمه يكررون نفس الكلام دون خجل، ويقولون ابحثوا عن منجزاتنا في الريف لا في المدينة، بينما يعرفون أن ليس لهم إنجاز لا في الريف ولا المدينة، وأن عبقريتهم في الإنجاز تجلت في مزيد من الفقر والجهل والمرض لأبناء الشعب الليبي، والتصحر لأماكن العمران والحضارة، وزرع قيم التزوير وسياسة الخوف والترويع والكذب والإجرام.

ويضيف الطاغية أحيانا في مجال حديثه عن كراهية البحر، أن هذه الكراهية جاءته، لأن البحر كان دائما مصدر الغزاة، وحدث أن شنت أميركا غارة على بيته في منتصف الثمانينات، وكانت غارة جاءت من السماء لا من البحر، وقلنا إنه بالتأكيد سوف يعلن كراهيته للسماء، باعتبارها أصبحت مصدرا للغارات الأجنبية على مركز حكمه. لكنه كان أكثر جبنا من أن يقول ذلك.

ولن أسرد هنا وقائع الحرب التي شنها على بحر ليبيا وشواطئها ويكفي تذكير القارئ بمخططه الرامي لتلغيم كل شواطئ ليبيا وزراعتها بحدائق الشيطان وقد بدأ بتنفيذه فعلا، وكمثال على الفرص الضائعة على الليبيين بسبب الفكر الشاذ الذي تسيّد في البلاد، أتكلم عن مشروع لتعمير شواطئ طرابلس، قام بتجهيزه وإعداد دراسته صندوق الضمان الاجتماعي، برئاسة رجل المعرفة والإنجاز والأمانة والنزاهة الأستاذ ابراهيم الفقي حسن، وكان ذلك سنوات قبل أن تعرف المنطقة العربية مثل هذه المنتجعات السياحية، وقبل أن نرى قرى الساحل الشمالي في مصر. كان الأستاذ ابراهيم في إطار استثمار أموال الصندوق، وبمساعدة خبراء المؤسسة التي يديرها، ومواصلة للخط الاستثماري في المجال السياحي الذي بدأ ببعض الفنادق في طرابلس، قرر أن يأخذ الخط الساحلي الذي يمتد من تاجوراء، إلى المدن الرئيسية على الساحل مثل الخمس، وصولا إلى مصراتة.

المهم أنه بدأ بما لا يقل عن ستين أو سبعين كيلومترا وضع دراستها، وجاء بالشركات الاستشارية العالمية فوضعت خرائطها، وأكثر من ذلك قام بتسوية الملكية لهذه المواقع، بالتعاون مع السلطات المحلية، مثل مجالس المدن والبلديات والجماعات التي تملك هذه الأراضي ملكية عشائرية مشاعية، فتوصل إلى اتفاق مع الجميع. ومصدر التمويل هي أموال الصندوق، فهو لا يطلب مليما واحدا من الدولة. وأشهد أنني رأيت مرأى العين هذه الخرائط التي كانت تشبه مدن الأحلام، وكان قد وضع فيها براحا لكل فئات المجتمع، بحيث تستطيع مختلف مستويات الدخل الاستفادة منها، ووضع اعتبارا لكل التسهيلات، فهناك مناطق للتمليك بالتقسيط، وهناك مناطق للإيجار الموسمي أو السنوي، وهناك أماكن مفتوحة لمن يريد قضاء جزء من الصيف.

وكما أخبرني المرحوم الفقي، أن الموضوع كان ماضيا في طريقه، إلى أن جاءت لحظة وجد فيها العراقيل تظهر من كل مكان وكأن أشباحا تحارب المشروع، فقد كانت أموال التقاعد تصل الصندوق في جدول معروف، فوجد فجأة أن هذه الأموال تتوقف، رغم أنه لا حق بحكم القانون في أن يحجب أحد في الحكومة هذه الأموال، لأنها لم تعد ملكا للحكومة وإنما هي ملك للموظف الذي تحول إلى التقاعد ويتقاضى مرتبه من الصندوق.

ووصلت إليه الرسالة، بأنه ليس مطلوبا منه الدخول في هذه المناطق المحرمة، التي تتصل برفاهية المواطن الليبي ورفع قيمة الحياة لديه، وإدخال اللمسات الحضارية الترويحية وفرحة المعيش والوجود، فلا حق للمواطن الليبي في جماهيرية الرعب أن يعيش خارج إطار الضرورة، وكان الطاغية يتباهى على الليبيين بوفرة الدقيق، فماذا يريدون فوق كسرة الخبز. لقد كان بحر طرابلس مكانا للبهجة ومصدرا لها، ولعله سيعود إلى ذلك في أزمنة قادمة إن شاء الله.


كاتب ليبي

9