"النساء الحاسبات" المشاركات المنسيات في استكشاف الفضاء

الأبحاث الفضائية في طريقها لتحويل ما كان البشر يتطلعون لاستكشافه في الفضاء إلى حقيقة، ولكن ما لا يعرفه الناس أن هناك عالمات رياضيات عملن في الظل كـ”حاسبات آلية” من أجل تحقيق حلم غزو الفضاء الذي يتصدر واجهته الرجال.
الأحد 2017/05/28
الصورة شاهدة لا تقبل اللبس

ارتبطت اكتشافات الفضاء وعلوم الفلك والرياضيات والهندسة في الغالب بأسماء الرجال ممّا جعل هذه المجالات تبدو وكأنها ذكورية بحتة، أما النساء اللواتي لعبن دورا حيويا في صناعة التاريخ المبهر لوكالة الفضاء الأميركية ناسا لأكثر من قرن من الزمان، فلم يتم الاعتراف بإنجازاتهن إلا بعد سنوات طويلة من الإقصاء والتهميش لأسباب عرقية.

غير أن مجموعة من الكتب الصادرة حديثا حاولت رد الاعتبار للقوى الأنثوية الخفية، وكشفت كيف ساهمت الحسابات المضبوطة للنساء الأميركيات السوداوات وصبرهن وجلدهن في مهماتهن العسيرة، في نجاح رحلة سفينة الفضاء أبولو، وتمكن رائد الفضاء نيل أرمسترونغ من أن يخطو أولى خطوات للإنسان على سطح القمر في العام 1969.

وبالرغم من أن الحوسبة كان يُنظر إليها في ذلك الوقت على أنها وظيفة ميكانيكية وغير مهمة إلا أنها كانت ضرورية وتتطلب الدقة والصبر من أجل أن تسير المهمات الفضائيَّة بسلاسة.

وفي الأيام الأولى للرحلات الفضائيَّة لم تكن أجهزة الكمبيوتر الإلكترونية مكتشفة، فتم استخدام فرق من النساء لإجراء عمليات حسابية طويلة ومملة في بعض الأحيان.

ووظفت وكالة ناكا (وكالة استشارات الفضاء الوطنية)، التي حلت وكالة ناسا محلها بعد ذلك، في عام 1935عددا من النساء الأميركيات السوداوات للقيام بمهام الحسابات التي كانت تُحسب باليد وبالاعتماد على أدوات بسيطة، لا تتعدى الورق والأقلام، وأحيانا على حاسبات بدائية تسمى سلايد رول.

فتيات الصواريخ

سلط كتاب “صعود فتيات الصواريخ” للمؤلفة ناتاليا هولت الضوء على الكيفية التي عملت بها مجموعة من النساء البارعات في الرياضيات في وكالة ناسا بسرية كاملة، ولم تكن تلك السرية لأنهن نساء بل أيضا لطبيعة البيانات.

وعملت تلك النسوة في مختبر الدفع النفاث “جي بي آل” التابع لوكالة ناسا بولاية كاليفورنيا، كـ”حاسبات بشرية”، ثم كمبرمِجات، وكان معظمهن يحمل درجات علمية في الرياضيات والهندسة والفيزياء، وكان عملهن كما قالت مؤلفة الكتاب “مبتكرا”، إلا أنه عُدَّ أقلّ أهمية من منجزات المختبر الأخرى، وتقاضين من أجله أجورا أدنى بكثير من أجور الرجال، ولكنه بالنسبة إليهن عدّ مسألة حياة أو موت، فكن يعقدن “سباقات حسابية” لحل المسائل الرياضية المعقَّدة حتى أثناء عطلهن.

وكشفت هولت إنجازات هامة لشخصيات لم تكن معروفة بالنسبة إلى الرأي العام مثل باربرا كانرايت وسوزان فينلي وهيلين لينغ اللائي أجرين حسابات مصيرية وساعدن في إطلاق صواريخ وقاذفات قنابل وأول قمر صناعي أميركي مخصَّص للتحكم في البعثات المرسَلة إلى القمر وتوجيه العربات الآلية التي تستكشف المريخ اليوم.

ووصفت الكاتبة تجربة باربرا كانرايت بقولها “اكتَست سَبّابتها اليمنى بجلد غليظ ذي لونين، أحمر وأبيض، نتيجة استخدامها القلم لساعات طويلة في اليوم. وكانت قبضتها غالبا ما تتعرَّق حول القلم، تاركة آثار تجعُّد على ورق الرسم البياني”.

وأكدت هولت أن حسابات هؤلاء النساء لعبت دورا مهما في استكشاف الفضاء، ولكنها لم تحظ وقتها بالتقدير الكافي بين إنجازات ناسا الباهرة.

عالمات رياضيات سقطن عمدا من تاريخ ناسا المبهر

أرقام مخيفة

كشف كتاب “أرقام مخفية” لمؤلفته مارغو شترلي، والذي تم تحويله إلى فيلم، السرّ عن المهام المخفية التي كانت تقوم بها باحثات أميركيات من أصول أفريقية يطلق عليهن تسمية الأفروأميركيات.

وتعود تسمية الأفروأميركيات إلى أنهن ينتمين إلى مجموعة عرقية من أصول أفريقية تسمى بالأفارقة الأميركيين، وعلى الرغم من اتساع شعبية حركة تصويت النساء في أميركا، يتزايد تهميش النساء ذوات الأصل الأفروأميركي ولم تتمكن الأفروأميركيات من ممارسة حقهن في التصويت حتى نهاية الستينات من القرن العشرين ولم تثنهن مثل هذه الصعوبات عن موقفهن.

وقالت مارغو شترلي، وهي أفروأميركية “كان الكثير من هؤلاء النساء يتمتع بالذكاء والموهبة والنشاط، بالإضافة إلى مشاركتهن الفعالة في التجمعات المناضلة من أجل الحقوق المدنية التي ساهمت جهودها في إحداث تغيرات اجتماعية قوية”.

وأوضحت “في كثير من الأحيان، كن يجدن صعوبة في التوفيق بين عملهن العلمي ونشاطهن النضالي، ولكن حبّهن وشغفهن بما كنّ يقمن به كان الدافع وراء إنجازهن الكبير”.

وأضافت شترلي أن “كاثرين جونسون ورفيقاتها بوصفهن أرقاما مخفية، حققن إنجازا مزدوجا: النضال من أجل المساواة بين الجنسين في قطاع مهمّ مثل أبحاث الفضاء الذي كان يخضع بالكامل لسيطرة الرجال، وانتزاع حقوق أصحاب البشرة السوداء في وقت سادت فيه العنصرية المجتمع الأميركي”.

وعملت جونسون في مقر الاستخبارات الأميركية الـ”سي آي إيه” في لانغلي بولاية فرجينيا، وقامت بإنجازات مهمة وحاسمة، تضمنت رسم مسار رحلة ألان شيبرد أول رائد فضاء أميركي في عام 1961.

وقالت جونسون إنها عملت أيضا إلى جانب جون غلين أول رائد فضاء بوكالة ناسا دار حول كوكب الأرض في مركبة فضائية في فبراير عام 1962، مؤكدة أن وجودها بجانبه كان من ضمن شروطه للعمل، حيث كان يردد على حد قولها “فلتحسب الفتاة الأرقام وتراقب التوقيت. إذا قالت الفتاة إن كل شيء على أحسن ما يرام فأنا مستعد”.

وكان الحصول على عمل في معمل أبحاث لانغلي بمثابة فرصة حقيقية بالنسبة إلى جونسون وخطوة عملاقة في مسيرتها حرصت على ألا تفلت من بين أيديها، ووقتها لم يكن يعنيها أن تكون وظيفتها ظاهرة أم مخفية هي وزملاؤها بالطبع، كما لم تكن تكترث لأنه بالرغم من إلغاء الفصل العنصري رسميا، كانت مضطرة لاستخدام حمامات خاصة ببني بشرتها وكذلك قاعات استراحة.

وخلال عشر سنوات لم يكن فريق العلماء من النساء البيض، يعلم بوجود زميلات لهنّ من ذوي البشرة السمراء، وظل هذا الانفصال قائما حتى السنوات الأولى من عقد الخمسينات من القرن العشرين.

وظلت جونسون تمارس عملها في الوكالة حتى عام 1986، حيث حظيت في السنوات الأخيرة لمشوارها مع ناسا بجهاز كمبيوتر شخصي، قالت عنه “كان أسرع″، مشيرة إلى أن من بين المهام التي أوكلت إليها عبر مشوارها الطويل حسابات رحلة سفينة الفضاء أبولو التي مكنت رائد الفضاء نيل أرمسترونغ من أن يخطو على سطح القمر في العام 1969.

ومنح الرئيس باراك أوباما جونسون وسام الحرية الرئاسي، وهو أعلى تكريم مدني في البلاد في نوفمبر 2015. وفي مايو 2017 حضرت حفل وكالة ناسا بمناسبة الذكرى الـ55 لرحلة شيبرد التاريخية الذي تم فيه تخصيص 30 مليون دولار لبناء مؤسسة لبحوث الكمبيوتر وتسميتها باسمها.

وتلقت جونسون أيضا جائزة سنوبي الفضية من رائد الفضاء ليلاند ملفين، وتمنح هذه الجائزة إلى الأشخاص الذين قدموا مساهمات بارزة لسلامة الطيران ونجاح مهمات الرواد.

كاثرين جونسون تكشف جانبا من الأرقام المخفية

الكون الزجاجي

يروي كتاب “الكون الزجاجي: كيف أخذت سيدات مرصد هارفارد قياس النجمات” لمؤلفته دافا سوبيل تاريخ النساء الأميركيات من أصول أفريقية واللائي عملن حاسبات بالمرصد الفلكي بكلية هارفارد بالولايات المتحدة في أواخر القرن التاسع عشر.

وأكدت سوبيل على أهمية الأدوار التي قامت بها النساء الحاسبات في تلك الفترة وتأثيرها على اكتشافات الفيزياء الفلكية الحديثة، إلا أن تكريم هؤلاء النساء اللامعات اللائي ساعدن في تغيير طريقة فهمنا للكون تأخر لعقود من الزمن.

وتتبعت سوبيل من خلال كتابها الجانب الشخصي والإنجازات العملية للعديد من النساء اللائي عملن بوظيفة “الحاسبات” بالمرصد، ومن بينهن على سبيل المثال ويليمينا فليمينغ مساعدة بيكيرينغ، وأنتونيا موري ابنة أخ عالم الفلك هنري، وكذلك عالمة الفلك والفيزيائية آني غومب كانون التي درست الفيزياء بكلية ويليسلي وعلم الفلك بكلية رادكليف.

واستطاعت فليمينغ وموري تحليل سطوع النجوم، وقامتا بتركيب الصيغ وتطبيقها لحساب أحجامها وكذلك قياس الخطوط الداكنة التي ظهرت في المطياف والمسافات بينها.

أما موري وغومب كانون فقد قامتا بمراجعة المخطط الذي أنشأته فليمينغ لتقسيم النجوم إلى مجموعات طيفية متميزة استنادا إلى أوجه التشابه بينها، ثم قام الفريق بتصنيف أكثر من 200 ألف من النجوم التي تم تجميعها في كتالوغ درابر.

وكانت كانون أول باحثة أنثى عملت في مجال المراقبة ليلا، حيث أوكلت لها مهمة تجميع البيانات الخاصة بالنجوم مستعينة بتلسكوب ستة بوصة بالمرصد، وبعد فحصها أطياف حوالي 220 ألف نجمة وضعت كانون المعايير القياسية لتصنيفها.

وقالت سوبيل إن إدوارد بيكرينغ مدير المرصد في الفترة الممتدة من 1877 إلى 1919 قد شعر بأن “النجوم.. كانت تبلغه رسائل مهمة، غير أنه لم يستطع فهم طبيعة الرسائل التي تحاول النجوم توصيلها له”.

وتثير الكتب الثلاثة لشترلي وسوبيل وهولت، جدلية جديدة حول حقيقة العلم الذي لا يقتصر فقط على الاكتشافات والاختراعات الفردية، كما لا يرتبط بالعباقرة من الذكور بمفردهم، بل هي عملية تعاون وتكامل في الأدوار بين عدد كبير من الخبراء والمتخصصين من الجنسين، كما هو الحال في مجال علم الوراثة (مشروع الجينات البشرية) والفيزياء عالية الطاقة وعلوم الفضاء.

ولكن بغض النظر عن الصراعات التي حدثت بمختلف المجالات العلمية في الماضي فإن المجال ما زال مفتوحا لتجاوز مختلف تلك العقبات وبناء مستقبل علمي مشرق مبني على الجهود الجماعية، ومن دون أن يكون الجنس أو العرق أو الطبقة أو الهويّة حاجزا في طريق عجلة التقدم.

كاتبة تونسية مقيمة في لندن

20