النساء الخاضعات سلاح الأحزاب السياسية لإقصاء المرأة من الشأن العام

انخراط المرأة في الحياة السياسية ومنافستها الرجل على المناصب القيادية لا يعد أمرا مستساغا ولا مدعوما من بعض الجهات السياسية الفاعلة، خاصة تلك التي تتبنى مفاهيم منغلقة ومتحجرة عن الشريعة الإسلامية. هذا ما تثبته الأحزاب السياسية العربية الإسلامية من خلال نزوعها لاستبعاد المرأة ذات الكفاءة العالية من المناصب القيادية في الحزب وفي المناصب السياسية في الدولة، والاستعاضة عنها بالتنظير -دون تطبيق- حول دعم التمكين السياسي للمرأة من جهة واختيار نساء خاضعات لأوامر القيادات الرجالية من جهة أخرى.
الأحد 2015/09/27
حركة النهضة في تونس قدمت مثالا لتوظيف المرأة سياسيا من خلال عضواتها في البرلمان

استبعاد المرأة من المناصب التي تكون فيها فاعلة وقادرة على أخذ القرار والتأثير في المسار السياسي في الدولة يفضي في الواقع إلى حصولها على حزمة من الحقوق المنقوصة ويقيم الدليل على تشريكها شكلا لا فعلا. والاستدلال بهذا التواجد المنقوص كمّا وكيفا ليس إلا من باب التشدق بتبني مبادئ المساواة بين الجنسين. هو إقصاء لو نظرنا له في عمقه، سنجد أنه يفضح اعترافا ضمنيا بقدرات المرأة وبكفاءتها في العمل السياسي ويبطن خوفا دفينا، في نفوس من يوصدون أمامها الأبواب، من تفوق المرأة على زملائها الرجال، فما بالك على قادتها في الأحزاب السياسية الإسلامية.

المرأة السياسية تكون عادة رمزا للقوة في الشخصية وللقدرة على الإقناع والتأثير في الغير، وهي كما كل فاعل سياسي يجب أن تتوفر على شروط تتعلق بالمستوى التعليمي والثقافي إلى جانب شروط الكاريزما والقدرة على تجاوز المصاعب والتحديات مع التحلي بالروح الدبلوماسية والذكاء السياسي.

كثيرات هن النساء العربيات اللاتي يتقن لعبة السياسة ويتفنن فيها بفضل ما اكتسبنه من مؤهلات علمية وذكاء ومقومات نفسية تثبت قوتهن، لكن في المقابل لا نجد هذه الصورة للمرأة السياسية في النسبة الكبرى من السياسات العربيات اللاتي يمثلن أحزابهن في البرلمانات أو في الحكومات أو في الأحزاب السياسية.

وتحاول الأحزاب، بتنوع مشاربها وتوجهاتها السياسية، أن تظهر مساندتها لحقوق المرأة السياسية، خاصة في ظل ما يشهده العالم من تقدم ومساع لتمكين المرأة سياسيا كبرهان على الديمقراطية والمساواة في الحقوق والواجبات بين كل المواطنين دون تمييز على أساس الجنس. كما تسعى براغماتيا لتنصيب النساء في المواقع السياسية وفي المسؤوليات الكبرى والقيادية، إما في هيكلة الحزب أو في ممثليه في البرلمانات وفي الحكومات، ويبدو التفاوت جليا في هذا المجال بين الأحزاب اليسارية والأحزاب ذات المرجعية الدينية أو اليمينية.

هذا ما دفع الأحزاب الإسلامية إلى الادعاء بتبني مبادئ ومواقف تحيل على إيفاء المرأة حقوقها السياسية، لكن شتان ما بين القول والفعل وشتان ما بين الحملات الانتخابية والنتائج في حيازة المرأة للمناصب القيادية وشتان ما بين الشعارات والواقع؛ فهذه الأحزاب التي يتزعم أغلبها الرجال والتي تصادر في أصل أيديولوجياتها ومعتقداتها حقوق المرأة تحاول أن تبرز بعض النساء من منسوبيها كمرشحات للمناصب البرلمانية والحكومية وتحاول دفعهن لنيل هذه المناصب، غير أن ظهور هؤلاء السياسيات ليس إلا مظهرا حيث تتعمد هذه الأحزاب الدفع بالنساء الضعيفات لمثل هذه المواقع.

إقصاء المرأة في المجال السياسي، لو نظرنا إليه في عمقه، سنجد أنه يفضح اعترافا ضمنيا بقدرات المرأة وبكفاءتها في العمل السياسي ويبطن خوفا من تفوق المرأة على زملائها الرجال

المقاصد من وراء دفع هذه الفئة من السياسيات الضعيفات في جميع المستويات نفسيا وثقافيا وسياسيا عديدة؛ أولها ضمان طاعتهن وعدم خروجهن عن المخططات الحزبية والحسابات السياسية الإسلامية للحزب، وثانيها اغتنام الفرصة للتأكيد على ضعف المرأة، وهو سبيلهم لإثبات صحة أفكارهم بخصوص حقوق المرأة والتي مفادها أن المرأة تظل حرمة ولا يجب أن تتجاوز أدوارها في الحياة المتمثلة في الإنجاب وتربية الأبناء وطاعة الزوج مهما بلغت من تقدم ومن مستوى تعليمي ونضج ثقافي فهي تظل غير صالحة للعمل السياسي القيادي.

هكذا تختار هذه الأحزاب التي تدعي اتباع وتطبيق الشريعة الإسلامية الفئة الضعيفة والخاضعة من السيدات لتستغلهن وتستخدمهن سياسيا كمظهر وكمنسوبين مطيعين لأسيادهم في الأحزاب، وهكذا امتلأت الساحة السياسية العربية بدخول التيارات الإسلامية لعالم السياسة وبصعود التيارات الإسلامية لسدة الحكم بنساء يظهرن بصور التبعية والضعف وارتباك المواقف ويسقط بعضهن في السذاجة ليصبحن مثالا للسخرية من المرأة السياسية.

مثل هذه الأحزاب لا تقبل بالنساء المتفوقات وبالنساء القويات وتحاصرهن وتختزلهن في أدوار ثانوية، فيتم إقصاؤهن بشكل أو بآخر وبطرق خفية وملتوية، في المقابل تحرص على استقطاب وجلب الضعيفات الخاضعات لتحقيق الأفكار الضيقة التي تعمل من أجلها، فمثلا في العراق فرض طوق وحصار على الكفاءات النسائية العراقية وتم الالتفاف على حقوقهن وإقصاؤهن من الشأن العام ومن الإعلام وحرمانهن من ممارسة حرياتهن وحقوقهن كي لا يبرزن للرأي العام، ولا أدل على ذلك مما نراه اليوم في نساء البرلمان العراقي اللاتي يمثلن صورا هزيلة لنساء غير جديرات بمثل هذا المواقع، وهن في الواقع رقم يضاف للعدد المصوت على ما يريده الحزب الذي ينتمين إليه. وحضورهن لا يتجاوز الصوت الذي يكلفن بالإدلاء به. أما الدور الفاعل للمرأة السياسية في العراق فبات من الماضي، فهن لم يسجلن حضورهن ولا مواقف قوية تحسب لهن في السنوات الأخيرة.

وهو الحال في دول المغرب العربي حيث لا توجد سياسيات بارزات لا في الحكومة ولا في البرلمان ولا في قيادة الأحزاب السياسية، ولا نجد شخصيات سياسية نسائية معروفة ومشهورة في المغرب غير عدد لا يتجاوز أصابع اليد، أما لدى الرأي العام المغربي ولدى عامة الشعب والبسطاء من الناس لا نجد اسم امرأة سياسية معروف لدى الجميع بإنجازاتها، كما نلاحظ أن صورة المرأة السياسية هناك تبدو مشوهة بعض الشيء، خاصة بعد ما شهدته الساحة السياسية المغربية في الأشهر الماضية حول علاقة ربطت بين وزير وبرلمانية توجت بطلاقه من زوجته ليتزوج من حبيبته، وما شكله ذلك من فضيحة هزت صورة المرأة السياسية في نظر المغاربة، رغم الكفاءات النسائية السياسية المغربية الموجودة والتي بلغ الاعتراف بإمكاناتها احتلالها لمناصب سياسية رفيعة في عديد المنظمات الدولية والحكومات الأوروبية.

في دول المغرب العربي حيث لا توجد سياسيات بارزات لا في الحكومة ولا في البرلمان ولا في قيادة الأحزاب السياسية، ولا نجد شخصيات سياسية نسائية معروفة ومشهورة في المغرب

وفي مصر لم تظهر إلى الآن قيادات سياسية نسائية منذ صعود الإخوان للحكم بعد الثورة وحتى بعد سقوطهم، أي من الكفاءات النسائية، رغم كثرتها تغيب عن مراكز القرار وحتى في الحكومات المتعاقبة في السنوات الأخيرة، وفي البرلمان بقيت السياسيات المصريات متخلفات عن اللحاق بركب الظهور الإعلامي والنجاح السياسي الذي حققه بعض الساسة من الرجال، وارتفع طغيان العنصر الرجالي في الحياة السياسية لتظل المرأة المصرية تتذيل قائمات الساسة الفاعلين وتتصدرها في مجالات أخرى مثل الفنون والثقافة. ويرجع غياب المرأة عن إدارة الشأن السياسي لتأثير صعود الإسلام السياسي في مصر وتراجع مكانة المرأة ومكاسبها في المجتمع من عامة الناس إلى المثقفين والسياسيين رجالا ونساء.

والوضع بالنسبة للمرأة السياسية في تونس يشبه ما تعرضت له النساء في الدول العربية التي شهدت ثورات الربيع العربي، هذه الثورات التي فسحت المجال بشكل مباشر أو غير مباشر للتيارات الإسلامية حتى المتشددة منها للدخول للعمل السياسي، حيث تعرضت مكاسب المرأة للتراجع.

وعندما صعدت حركة النهضة الإسلامية للحكم وأصبحت من أقوى الأحزاب السياسية في البلاد طوقت الحركة التونسيات المتحررات واستقدمت نماذج لنساء يخدمن خطاب حركة النهضة الإسلامي وكانت أغلبهن فاقدات للكفاءة السياسية، ومثلت إحداهن إحدى طرائف المجلس التأسيسي التونسي وأثارت السخرية في نفوس التونسيين من المرأة في البرلمان، كما أن غالبية ممثلات النهضة الإسلامية في البرلمان لا صيت لهن في العمل السياسي، بل هن يستخدمن للتصويت ولتبييض صورة النهضة وتقديمها على أنها حزب حداثي يؤمن بالديمقراطية وبالمساواة بين الجنسين وبالتالي يساند حقوق المرأة، وهو ما فندته خياراته السياسية فيما يخص تشريك المرأة في العمل السياسي.

20