النساء العربيات يطلبن الإنصاف ويظلمن بعضهن

بينما تظل معركة المرأة العربية مع المجتمعات المحلية مشتعلة منذ عقود من أجل أن تنال حقوقها الأساسية كإنسان يستحق الاحترام لذاته، نجد أن نساء كثيرات يقللن من قيمة المرأة في العديد من المجتمعات العربية، في تناقض صارخ وشيزوفرنيا واضحة للعيان بين مطالبها وأفعالها.
الاثنين 2015/10/12
التربية والمعتقدات رجحتا كفة الرجل عن المرأة في غالبية المجالات

تصب المرأة جام غضبها على المجتمع متهمة إياه بعدم إنصافها في الحصول على فرص متساوية في العمل والترقي، وتجاوز ثقافة التعامل معها كوسيلة للمتعة في حياة الرجال، لكن كيف تحصل على ذلك وهي لا تتبادلهما مع مثيلاتها من النساء.

الأمثلة على ذلك متعددة، فأغلب السيدات يفضلن الذهاب إلى طبيب أمراض النساء ويثقن بتشخيصه في وقت يرفضن فيه تسليم أجسادهن إلى طبيبة. إذا كانت الصحة مسألة دقيقة، فلماذا تفضل النساء الكوافير الرجل عندما يردن أن يتجملن؟ ولماذا يقتنعن بأذواق مصممي الأزياء الرجال أكثر من المصممة التي من المفترض أنها تعرف كيف تتعامل مع عيوب جسمها؟

حتى عندما تريد الواحدة تعلم قيادة السيارة، وبالرغم من الدراسات التي أثبتت أن المرأة أفضل وأهدأ، إلا أنها تلجأ إلى الرجل لتعلم القيادة، وفي معظم الأحيان تلجأ لمحام رجل يتولى مشكلاتها القانونية ولا تأتمن امرأة على القيام بهذا الدور.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تعداه من الخصوصية إلى العامة، فالعديد من استطلاعات الرأي والدراسات أوضحت أن المرأة تفضل أن يكون أستاذها أو رئيسها رجلا، وعلى الجانب السياسي، حدث ولا حرج، فهي تدلي بصوتها الانتخابي لصالح المرشح الرجل.

وفي محاولة لتفسير هذا التناقض كان من الضروري أن تطرح “العرب” تساؤلات عن سبب عدم ثقة الإناث في بعضهن؟ وأين تكمن المشكلة؟ وهل تسيد الرجل لعقود طويلة ولّد لدى المرأة حالة من جلد الذات؟ وكيف يمكن الوثوق في جديتها فيما تطالب به من مساواة واحترام وثقة، وهي أول من يتخلى عن ذلك في تعاملاتها مع بنات جنسها معطية انطباعا بأنها تكيل بمكيالين؟

المرأة العربية ممزقة بين تقاليع الغرب وعادات الشرق، ما خلق حالة انفصام في أفكارها وميولها وتصرفاتها، كرست إحساسها المتجذر في اللاشعور بضعفها الأنثوي، وكانت النتيجة نفورها العقلي من بنات جنسها.

أوضحت هناء كمال، باحثة اجتماعية، لـ“العرب” أن تفضيل الرجل موروث اجتماعي ومخزون تراكمي في عقل النساء ناتج من قناعتها بأن قدرات الرجل تفوق قدراتها، هذا الموروث نتج عنه عدم استقرارها نفسيا وتحقير لذاتها الأنثوية، فالبيئة الذكورية التي نشأت فيها جعلتها بلا هوية حقيقية، تتشدق بالمساواة ولا تعترف بها في قرارة نفسها ولا تمنحها للأخريات، ومهما تحصلت على مناصب وثقافة وعلم، تبقى مسألة تهذيبها وصقلها فيما يتعلق ببنات جنسها غائبة عنها، وهذا يظهر جليا في تفضيل الكثيرات للرجل عن المرأة.

المرأة تتهم المجتمع بعدم إنصافها في المساواة مع الرجال، وهي أول من يفضلهم على حساب بنات جنسها

التربية والمعتقدات الشرقية رجحتا كفة الرجل عن المرأة في غالبية المجالات، وجعلت النساء يثقن بقدراته أكثر من قدراتهن، كما تقول الدكتورة سامية خضر أستاذة علم الاجتماع.

خضر ترى أن تفسير بعض المشايخ للدين الإسلامي ساهم في تكريس فكرة تفضيل الرجل على المرأة، حيث ركزوا على الآيات التي تبرز قوامة الرجال، ما جعل المجتمع يعطي ثقته الكاملة للرجل في اعتراف صريح بقدراته ومهاراته وحسن قيادته للأمور، الأمر الذي جعل المرأة مشتتة المفاهيم، وبالتالي مستهدفة من جنسها وفاقدة للثقة بنفسها وتلقائيا لا تعطيها لنظيراتها من النساء في المهن المختلفة التي يتقاسمنها مع الرجال، وإن كانت المرأة في بعض الدول قد أعطت الثقة لمثيلاتها، فلأنها نشأت وترعرعت على تحمل المسؤولية ما أعطاها الثقة في نفسها وبالتالي في بنات جنسها.

ما قالته أستاذة الاجتماع يتوافق مع ما توصلت إليه مارغريت ميدا الباحثة الأنثروبولوجية، في ثلاثينات القرن الماضي، حيث وجدت بعد دراسات عديدة أن معظم الخصائص السلوكية الحالية للرجال والنساء ليست لاختلاف في الجنس وإنما هي انعكاس لأثر الثقافة والتربية على الأفراد، فالعلوم السلوكية أثبتت أنه لا فرق بين المرأة والرجل في ما يتعلق بالقدرات العقلية.

علياء محمد، باحثة في علم النفس، ترجع في تصريحات لـ “العرب” سبب شيزوفرنيا المرأة تجاه مطالبها وتعاملها مع بنات جنسها إلى إحساسها بالضعف الذي أضعف بدوره ثقتها بقدرات الأخريات، مشيرة إلى أن قناعات المرأة الداخلية بأن الرجل أفضل منها، جعلتها تؤمن لا شعوريا بأن قدراته أكثر من قدراتها، حتى إن كانت أمام امرأة تتمتع بقدرات فائقة، فهي تحكم عليها بإحساسها لا بعقلها، ولن تقتنع بها لشعورها بأنها تخفي ضعفها.

من الظواهر اللافتة لجوء أغلب النساء إلى طبيب رجل متجاوزة الكثير من اعتبارات الحياء الاجتماعي والخصوصية لتفادي التعامل مع طبيبة

من وجهة نظرها أنه لا يجب أيضا استبعاد الجانب الفطري لميل المرأة للرجل، فالأقطاب المتشابهة تتنافر والمختلفة تتجاذب، وهو ما أدى بالتماثل الأنثوي أن يتنافر لصالح التضاد الجنسي، ففطرة المرأة جعلتها تثق بالرجل أكثر فيما يتعلق مثلا بجمالها، لأنه سيكون أكثر صدقا في إبرازه وهذا أمر طبيعي إذا أخذنا بعين الاعتبار أنها تتجمل وتتزين لتحظى أساسا باهتمام الرجل وليس المرأة.

معاناة المرأة نتيجة حصاد لتحقير المجتمع لها سنوات طويلة، فجعلها لا تثق بنفسها في الأغلب ومن ثم لا تثق في قدرات المرأة الأخرى وفقا لنظرية القهر الطوعي للذات الذي عانت منه، والتي وصلت إليها أمينة علي، ناشطة الحقوق النسائية، مؤكدة لـ “العرب” أن التربية التي نشأت عليها بأن الرجل هو المسؤول عن تفكيرها وملابسها وحياتها، جعلها تنظر بدونية لبنات جنسها باعتبارهن كائنات ضعيفة غير جديرة بالثقة.

وفسرت الناشطة لجوء المرأة في غالبية تعاملاتها إلى الرجل ووضع ثقتها به، بأنها تربت على أنه أكثر اتزانا وأقل عصبية، ويملك مهارات فذة في معظم الأعمال، فهو يتعامل بعقلانية أما المرأة فهي ناقصة عقل أي أنها تتصرف بعاطفتها.

من الظواهر اللافتة لجوء أغلب النساء إلى طبيب رجل متجاوزة الكثير من اعتبارات الحياء الاجتماعي والخصوصية لتفادي التعامل مع طبيبة، وحتى من يلجأن لطبيبات يفعلن ذلك لمجرد الحياء أو التمسك بمبادئ دينية، وليس لاقتناع كامل بكفاءة الطبيبة.

21