النساء المعنفات وجها لوجه مع جلاديهن في الحجر الصحي

هواتف الطوارئ المخصصة للنساء المعنفات لا تكف عن الرنين.
السبت 2020/03/28
العنف المنزلي وباء آخر

سجلت المنظمات والجمعيات الناشطة في مجال العنف ضد المرأة ارتفاعا لافتا في حالات العنف المنزلي المسجلة في الأسبوعين الأخيرين، وذلك بعد أن فرضت مختلف دول العالم الحجر الصحي وألزمت السلطات السكان بملازمة البيوت في ظل تفشي وباء كورونا. وواكبت “العرب” عدة حملات انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منددة بهذا الجانب السلبي للعزل المنزلي، والذي يطول مجتمعات عربية وغربية، دون استثناء.

 تونس – في خضم الحملات الكثيرة التي أطلقت عبر مواقع التواصل الاجتماعي للتوعية بكيفية الوقاية من فايروس كورونا ومتابعة أحدث مستجداته، برزت حملات متزامنة تحذّر من “وباء” آخر، هو العنف المنزلي المرتبط بحالة التوتر والضغط التي فرضتها إجراءات الحجر الصحي التي اتخذتها مختلف الدول.

في تونس، بدأت هذه الحملات ردا على تعليقات ساخرة تشجع على ضرب الزوجات واستغلال فرصة الحجر وإغلاق المحاكم لـ”الانتقام” منهن. قد يبدو الأمر في ظاهره مجرد دعابة، لكن الخبراء يؤكدون أن الأمر واقع في الكثير من العائلات، حتى أن مركز البحوث والدراسات والتوثيق والإعلام حول المرأة (الكريديف)، بتونس، أصدر بيانا يندد بمثل هذه التعليقات التي تعكس الوضع الراهن لتعنيف النساء في الفضاء الخاص.

وكتبت الدكتورة زينب التوجاني عن الموضوع قائلة “تلك الدعوات العنيفة حتى ولو كانت في شكل دعابة تعكس عقلية أصحابها وناشريها، فهم يعتقدون أن من حق الرجال ضرب زوجاتهم وتعنيفهن والتحكم بهن وبمصائرهن”.

وأضافت أن بعض النسوة أطلقن صيحات فزع في بعض المجموعات الافتراضية، إذ أخبرت إحداهن بأنّها تتعرض للتهديد من زوجها وأنه في هذا الظرف يحاول استفزازها باستغلال أطفالهما لجعلها تغادر البيت.

وأشارت إلى أن بعضهن لا حل لهن سوى ملازمة بيوتهن في جوار جلاديهن وتحت الخوف من العدوى ومن الضرب أو الإهانة المعنوية.

وقالت المكلفة بتلقي المكالمات على الرقم الأخضر المخصص لمقاومة العنف (1899) بوزارة المرأة والأسرة والطفولة وكبار السن بتونس، في تصريحات لـ”العرب”، “حتى خلال هذه الفترة لم يهدأ الخط”، مشيرة إلى أن العنف الموجه ضد النساء لا يرتبط بزمن محدد.

ارتفاع عدد حالات العنف المسجلة خلال الحجر الشامل يعود إلى إغلاق المنتزهات  العامة والمقاهي التي كانت توفر ملاذات ترفيهية تخفف من الضغط

وهو ما أكدته أيضا رئيسة منظمة النساء الديمقراطيات، يسرى فراوس، تسجيل ارتفاع حالات العنف ضدهن خلال فترة الحجر الصحي الشامل. وقالت فراوس، في تصريحات نقلتها وكالة تونس أفريقا للأنباء، إن “المنظمة تلقت شكاوى من نساء ضحايا عنف زوجي في فترة الحجر الصحي لم يحظين بمساعدة من بعض مراكز الأمن والحرس وطني”، مبرزة أنه “تم التعامل معهن بلامبالاة بحجة عدم اهتمام رجال الأمن بهذه القضايا حاليا”.

وفي لبنان، سجّل التجمّع النسائي الديمقراطي الذي يعنى بدعم النساء المعرّضات للعنف ارتفاعا في عدد الاتصالات الواردة على الخط الساخن خلال شهر مارس بنسبة 50 في المئة مقارنة مع الأشهر الماضية.

وتوقعت المنظمة النسوية ازدياد خطر تعرّض النساء للإساءة الجسديّة والمعنويّة والجنسيّة، مشيرة إلى أن الحظر ساهم في عزلهن عن الأهل والأصدقاء، وأعاقهن عن مزاولة أنشطة كن يرفهن بها عن أنفسهن.

وتلفت منظمة الصحة العالمية إلى أن العنف المسلط على المرأة يتضاعف في أوقات الأزمات مثل الكوارث الطبيعية والحروب والأوبئة، وأن واحدة من كل 3 نساء في العالم تتعرض للعنف الجسدي أو الجنسي مما يجعله الأكثر انتشارا.

وأشارت فومزيلي ملامبو – نكوكا، المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمرأة، إلى أن الإجراءات المتبعة لمواجهة كورونا يمكن أن تؤثر بشكل سيء على ضحايا العنف المنزلي.

وقالت “في حين ندعم اتباع سياسة العزل الاجتماعي فإننا على يقين بأنها توفر فرصة للمعتدين للمزيد من ممارسة العنف على ضحاياهم”.

إهانات متكررة
إهانات متكررة

ويمتد القلق والتحذير من تونس ولبنان، ودول عربية عديدة، إلى الولايات المتحدة وأوروبا، حيث لخّصت كاورلين دي هاس، عضو الائتلاف النسوي، قائلة “غالبا ما تترافق الأزمات مع تصاعد معدلات العنف. فما بالكم بأشخاص يعيشون حجرا صحيا في منازلهم قد ينتقلون من العنف النفسي والمعنوي إلى العنف الجسدي والجنسي وحتى إلى ارتكاب جرائم قتل”.

وجاء في بيان للحكومة الأميركية، أنه تم تسجيل حوالي 700 استغاثة في الفترة من 18 مارس إلى 22 مارس، أشار خلالها الضحايا إلى فايروس كورونا كعامل جديد للعنف المنزلي. وأعلنت سكرتيرة الدولة المكلفة بالمساواة بين الجنسين في فرنسا، مارلين شيابا، أن رقم الطوارئ المخصص للنساء المعنفات (3919) لم يتوقف عن العمل.

واعتبرت جمعيات تعمل على مناهضة العنف الممارس على النساء الحجر الصحي ظرفا استثنائيا وغير مسبوق تحول إلى “مشهد مرعب”. وفسر أليكس فيلانويفا، عمدة مقاطعة لوس أنجلس، هذا الارتفاع بقوله “حين ترتفع حدة التوتر والقلق، انتظر لمدة أسبوع أو اثنين، ثم سيبدأ الإرهاق من كثرة رؤية الناس لبعضهم البعض ومن الممكن أن ينتج عن ذلك عنف منزلي”.

ووفقا لأماندا بايرون، مديرة منظمة ذا نتوورك للتصدي للعنف، تكمن المشكلة الأكبر في ظل الظروف الحالية في وجوب بقاء كل من “المجرم والضحية في نفس موقع الجريمة”. ويفاقم عدم قدرة الضحايا على التوجه إلى مخافر الشرطة أو المستشفيات مخاوف المسؤولين، وهو ما يعني أنه يتعين التعامل مع جميع حالاتهن عبر الهاتف فقط ما يعتبر غير كاف في حالات العنف المفرط.

وقالت د. هيريغويين، وهي طبيبة نفسية تتابع حالات كثيرة لنساء ضحايا العنف الأسري بفرنسا، “غالبا ما يكون المعنِّفون أشخاصا يتمتعون بحالة نفسية هشة وهم غير قادرين على تحمل الحرمان، لذا يؤدي الحجر المنزلي إلى تدهور الأوضاع”.

وأرجع عبدالستار السحباني، المختص في علم الاجتماع، ارتفاع عدد حالات العنف المسجلة خلال الحجر الشامل، إلى غلق الفضاءات العامة التي كانت تمتص الكثير من أوقات الفراغ وتوفر ملاذات ترفيهية تخفف من الضغط.

وقال السحباني لـ”العرب”، “إن الشخص الذي تعود مشاركة أصدقائه أوقات فراغه، وأيضا مشاكله وهمومه وقصصه اليومية، داخل فضاءات مفتوحة كالمقاهي والملاعب ثم فجأة يجد نفسه بين أربعة جدران قد يفقد السيطرة على غضبه، عندما تصبح الأجواء داخل المنزل مشحونة”.

وتفاديا لوقوع حوادث عنف خلال فترة الحجر الصحي اقترح السحباني تخصيص رقم أخضر مجاني يمكّن الشخص الذي يتعرض لضغوط من التحدث عبره إلى شخص يتولى الاستماع إليه ويحفف عنه.

21