النساء دلائل المدن على النمو والخضرة الأبدية

رواية الكاتب الأردني جلال برجس تقوم على لعبة كتابية تعتمد على ثنائيات الخير والشَّر والقُبح والجمال وقبلهما تزاوج بين ثنائية الشكل والمضمون.
السبت 2018/04/28
صراع ثنائي خفي (لوحة بهرام حجو)

غابت الثقافة كإحدى أذرع القوى الناعمة التي كانت تراهن عليها الدول في مواجهة القبح والفساد المستشري في مجتمعاتنا بعدما طغت النزعة الاستهلاكية وسيطرت الرأسمالية على عالم مفكّك بعد تجربة الاشتراكية المخفقة وتأثيراتها في مناحي الحياة المختلفة، ومن ثم تمّ إحلال قيم الاستهلاك بدل القيم التبادلية. وفي ضوء هذه الأزمة المتجذرة – في مجتمعاتنا العربية- التي خلقها غياب الفعل الثقافي كعامل مؤثِّر تأتي هذه الرواية الجديدة للكاتب الأردني جلال برجس "سيدات الحواس الخمس" لتعيد التفكير في هذا الدور المهمل.

عبر تساؤلات من قبيل هل نستطيع أن نعيد الدور الفاعل للثقافة؟ وهل من الممكن أن تكون الثقافة حاملا لنسق المقاومة والتغيير، في وسط موجة من الركاكة والفساد والتخريب؟ وما دورنا لمقاومة الخراب والفساد بكافة صوره؟ تلفت رواية “سيدات الحواس الخمس” لجلال برجس الانتباه إلى دور الثقافة كمقاوم لهذا القبح، وإن تجنّبت السقوط في انتصار الخير في النهاية، وإن كان ثمة انتصار مجازي بمقتل الذئب بما يحمل من رمز يحيل إلى نموذج سليمان الطالع وفساده.

إلا أنه كان انتصارا مجازيا على مستوى الواقع، كنوع من الحث على المقاومة وعدم الاستسلام للفساد حتى لو طال، أو تمدّدت جذوره كما في صورة جعفر سليمان الطالع، وهو ما يشير إلى الرهان على المستقبل في صورة أحمد الشبيه بسراج عزالدين، علاوة على ريفال بعد لحظة التطهّر التي قامت بها في أثناء حوارها مع سراج، فانتهت الرواية وثمّة أمل في المقاومة ولد بعد حالة القتل الجماعي وتدمير الجمال من حلفاء الشّر.

الكتابة كفعل جمالي

تقوم رواية “سيدات الحواس الخمس”، الصادرة مؤخرا في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، على لعبة كتابية تعتمد على ثنائيات الخير والشَّر والقُبح والجمال وقبلهما تزاوج بين ثنائية الشكل والمضمون في تضفيرة انعكست على بنية الرواية أيضا. فالرواية تتخذ من غاليري الحواس الخمس ذي التصميم الغريب والفريد محورا لها، وإن كانت تمتد إلى مناطق أخرى في عمّان، في إشارة إلى التغيّرات التي طرأت على المكان وانتهت به إلى السوء.

وحتى الغاليري، الذي شيّده سراج عزالدين، كان مقاوما للقبح الذي استشرى في المدينة الحديثة التي أصابتها النزعة الاستهلاكية. ويتألِّف من طوابق ستة تتوازى مع حواس الإنسان الست. فالغاليري الذي حمل في تشكيله “هيئة امرأة تنظر إلى يديها” في تأكيد على أهمية المرأة ودورها الحيوي، والتي تتوازى مع الوطن فـ”النساء دلائل المدن على النمو، وعلى اخضرار روحها”.

الرواية في إحدى بنياتها الأساسية قائمة على التناقض خاصة في الأحداث التي يدور معظمها في غاليري الحواس الخمس

ومن ثمّ يكون انتهاك أنوثتها أو حتى هضم حقوقها قرينا باغتصاب الوطن، يتناقض مع القصر الذي كان بمثابة نقض لهذه الأيقونة التي كرَّس لها عبر الشكل الفني المميّز وأيضا عبر القيم الرامز إليها الغاليري في هذه المنطقة بمواجهة مجموعة سليمان الطالع التجارية بما تحويه من غش تجاري وفساد وزيف، حيث القصر يحتوي على ست غرف مغلقة يحيط بها الغموض.

تتكوَّن الرواية من جزأين الأول يضطلع به راوٍ غائب عليم يترصد تحركات الشخصيات المحورية أينما ذهبت، وهو قريب منها حدِّ الملاصقة، وإن كانت ثمّة تداخلات مع الأنا حيث يترك الراوي المهيمن للشخصيات اجترارَ بعض من ذكرياتها المؤلمة والكاشفة لأسباب التحولات. وهذا الجزء عبارة عن ستة فصول هي الأخرى تتوازى مع غرف القصر وطوابق الغاليري. في كل فصل يحكي عن امرأة ارتبط بها سراج عزالدين مدير الغاليري عبر حاسة من حواسه. تستدعي هذه المرأة على اختلاف شخصيتها وتكوينها الثقافي صورة المرأة الأولى التي كانت سببا في هجرته للوطن وعجزه أيضا الذي لم تفلح أي امرأة التقاها في أن تحيي رجولته، التي سُلبت عندما رأى الفساد الذي اغتصب الوطن يغتصب امرأته.

يحمل كل فصل اسم امرأة هي محوره الأساسي يكشف من خلاله الراوي علاقة سراج بهذه المرأة التي تنتهي في جميعها بلحظة عنف لم تخمد من جراء ما حدث في الماضي، إلا أنّها تقدّم لنا في أحد أوجهها المهمة صورة من صور الغُبن الذي لحق بالمرأة، وكأنَّ الفسادَ الذي لَحَقَ بالمكان امتدَّ ليجور على المرأة في صورة ظُلْم. فلا فرق بين أنساق ثقافية حاكمة فرضتْ وصايتها كما في حالة وداد، أو ذكورية فجّة كما في حالة كندة همّام، ودعد سامي أو تطلعات تتجاوز طبقيتها كما في حالة ريفال، أو في صورة ازدواجية كما في صورة سوار وما لاقته من إهانة على يد الحبيب الذي ظنته هو طوق النجاة.

المدينة القروية

الرواية في إحدى بنياتها الأساسية قائمة على التناقض ليس فقط على مستوى الأحداث التي يدور معظمها في غاليري الحواس الخمس، وهو الواقع مقابل شركات سليمان الطالع التي كانت في الطابق الأخير من بناية “بوليفارد العبدلي” بما تحمله من فساد وإفساد. فكأن الغاليري بفاعلياته ورمزيته هو مقاوم لقبح سليمان وشركاته، أو حتى على مستوى الشخصيات التي جميعها تقف على النقيض من بعض، فكأننا أمام ثنائيات: سراج مقابل سليمان الطالع، رعد مقابل كندة همّام، وأحمد ابن غادة مقابل جعفر ابن سليمان، وداد مقابل ريفال.

الثقافة كفعل مقاوم في مدينة آوت الهاربين من الحروب
الثقافة كفعل مقاوم في مدينة آوت الهاربين من الحروب

التناقض أيضا حادث على مستوى المذكرات والنص، فالمذكرات هي نقيض لحياة سراج عزالدين الجديدة، فحياته في المذكرات هي حياة صعبة وطفولة قاسية، حيث ولد في جبل اللويبدة، وهو المكان الذي سوف تحلّ عليه التغيرات وتتبدّل هويته، كما يستعرض أهم الأحداث التي شكّلت الوعي لديه بدءا من انتفاضة فلسطين الأولى عام 1978 مرورا باحتلال العراق للكويت 1990، وتأثير هذا في خلط الأوراق، ثم انهيار الاتحاد السوفييتي وغيرها وصولا إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 التي كان تأثيرها فادحا على منطقة الشرق الأوسط.

صراع سراج عزالدين مع الطبقة الفاسدة هو صراع بدأ مع أبيه في صراعه مع سليمان الطالع، وتحوّل إلى فعل عندما وجّه له لكمة ودخل السجن إثرها، وتكشف لنا الرواية في أحد جوانبها تغوّل هذه الطبقة الفاسدة التي أخذت تنخر في المجتمع وراحت تُفسد كل ما هو جميل، فالصحافي رعد الذي اشتهر بكتاباته عن الفساد وفضحه، وهو ما كان أحد دوافع إعجاب كندة به، سقط في براثن الإغراءات وممارسات الضغوط، فتمّ اتهامه وإدخاله السجن، ثم الإفراج عنه بمعرفة سيلمان ورجاله، ثم ما إن خرج لم يكن أمامه من خيار سوى الارتماء في أحضان سليمان. العجيب أن سليمان كانت محاولته بإغواء رعد عبدالجليل أشبه بلعبة يبحث فيها عن نفسه، فكانت الشخصية المرآة له، فقد تمنى ألا يسقط، فسقط فصار المستشار الإعلامي له ورئيس تحرير الجريدة التي يملكها.

لعبت الرواية على صراعات الذوات الداخلية، خاصة في شخصيتي وداد وكنان، فوداد التي كانت تحب سراج عزالدين وكتمت هذه المشاعر الجياشة وصارت له أشبه بالخادمة، لكنها لم تستطع الكتمان، وبالفعل استجابت لأحاسيسها الداخلية إلا أن العجز الوليد عن حادثة الخيانة أَبَى أن تكتمل العلاقة، فصرخ فيها بأن تغادر الغرفة.

الرواية مع أنها رواية مكان حتى بحضور الشخصيات، إلا أنها مالت إلى حالة من الرثاء لما حلّ على المدينة، فعمّان التي شبّهها الراوي بأنها “قروية ترتدي مِني ‘جوب’ قصيرًا وتدخن سيجارًا كوبيًا”، تبدو في غاية التناقض كما تقول سوار “كم تبدو عمّان جميلة!.. إنها تكبر بسرعة قصوى وتتحول إلى كتلة إسمنتية” لكن الراوي يُدرك ما حلَّ بالمدينة فماذا تفعل عمّان وقد “جاءها هاربون من نيران الحروب، وتجّار لم يسألهم أحد من أين لكم كل ذلك المال؟”.

15