النساء عماد موسم الحصاد بعاصمة الذهب الأحمر في المغرب

نساء بلدة تالوين، الواقعة جنوب غربي المغرب بين جبال الأطلس، لا حقّ لهنّ خلال موسم حصاد القمح في النوم لحظة واحدة بعد طلوع الفجر وبزوغ أول خيوط الشمس. فالوقت يحين آنذاك للانطلاق سريعا نحو الحقل والارتماء في أحضان السنابل، مردّدات ما توارثنه من أغان أمازيغية، يستعنّ بها على مغالبة مشقة الحقل والبيت.
السبت 2015/05/23
قلة الاعتماد على آلات الحصاد الحديثة، يضاعف مشقة النساء في بلدة تالوين المغربية

تقف نساء تالوين جنبا إلى جنب في خط مستقيم، حاملات للمناجل الحديدية، ومقبلات على سنابل القمح، في هدوء تكسره زقزقة العصافير، قبل أن تطلق إحداهن العنان لموال أمازيغي تتغنى فيه بالنبي محمد، قائلة: “الشمس تدور.. تدور فوق الدنيا، تزور مقام سيدنا محمد وتعود”.

عندها، تنخرط بقية النسوة في الموّال الأمازيغي في بلدة تالوين، الواقعة جنوب غربي المغرب بين جبال الأطلس، بمرتفعاتها التي تتجاوز 1400 متر فوق سطح البحر، وعلى بعد نحو 90 كيلومترا عن مدينة تارودانت، مركز ولاية تارودانت.

وفي خط مستقيم آخر، في الحقل نفسه، يباشر الرجال الحصاد بمناجل ورثوها أبا عن جد، في مقاومة لا يبدو أنها ستصمد طويلا أمام غزو آلات الحصد الحديثة في موسم حصاد محاصيل القمح.

سعاد، وهي قروية في عقدها الثالث، يمتد يومها من الفجر حتى الغروب، وتجمع فيه بين أشغال بيتها الصغير وعملها في الحقل برفقة زوجها في بلدة يسكنها المئات.

تقول إنه مع كل موسم حصاد، تصيب نساء البلدة حالة استنفار من أجل التوفيق بين أشغال البيت ومتطلبات العمل في الحقل.

وتوضح “يوميا، يبدأ العمل في الحقل قبل بزوغ ضوء الشمس.. تستيقظ النسوة فجرا، وينتقلن إلى الحقول للبدء في حصاد القمح.. ثم تدلف النسوة إلى بيوتهن لإعداد الأكل لبقية أفراد الأسرة، قبل أن ينصرفن من جديد إلى الحقل، في عملية مضنية تستغرق ساعات، مع ما يلازم ذلك من أشغال أخرى تتعلق بالبيت”، حسب القروية المغربية.

ويستمر موسم حصاد القمح بين أبريل الماضي ويونيو المقبل، وتتوقع وزارة الفلاحة والصيد البحري المغربية أن تبلغ محاصيل القمح هذا العام 110 ملايين قنطار، أي ما يعادل 11 مليون طن.

وإن تحقق الحصاد المتوقع، فسيكون أعلى مستوى حصاد تسجله المملكة المغربية، حيث بلغ أعلى حصاد في 2013 نحو 97 مليون قنطار، بينما لم يتجاوز العام الماضي 2014 نحو 67 مليون قنطار.

الزراعة هي النشاط الرئيسي لسكان بلدة تالوين، المعروفة بـ"عاصمة الذهب الأحمر"، لتميزها بزراعة الزعفران والحبوب

وحسب جمال الدين حاميد، وهو أحد فلاحي القرية، فإن الحصاد، هو “موسم ينخرط فيه الجميع، رجالا ونساء وشيوخا، وأحيانا ينخرط فيه حتى الأطفال، فهو حدث تتشارك فيه كل العائلة”.

وعن دور النساء في موسم الحصاد، يقول حاميد إنهن “يتركن أبناءهن، ويخرجن من بيوتهن في الصباح الباكر للعمل في الحقول، لتوفير بعض الأموال التي لا تفي باحتياجات المنزل.. الزوجة في البادية تشارك زوجها في العمل تحت أشعة الشمس الشديدة وارتفاع درجات الحرارة لتوفير لقمة العيش لأسرتها”.

وخلال الحصاد يستعير الفلاحون الدواب، من حمير وبغال، من بعضهم البعض كي ينجز كلّ منهم حصاده على الوجه الأكمل.

وهي عادة يرى الفلاح المغربي، ذو الثلاثين عاما، أنها “إيمان من سكان المنطقة بأن التعاون والتآزر هما العروة الوثقى في هذه الحياة.. هي تعكس قيمة التعاون والتضامن والتلاحم بين السكان”.

ورغم اعتماد بعض الفلاحين على آلات الحصاد الحديثة، فإن الكثيرين لا يزالون يعتمدون على المناجل الحديدية التقليدية.

وهي طريقة تقليدية يوضح حاميد أن “معظم فلاحي المنطقة يتشبثون بها بسبب غلاء أسعار الحصاد بالآلات الحديثة. وتنتشر طرق الحصاد التقليدية بشكل كبير في القرى المغربية النائية، وخاصة في الجبال ذات المسالك الوعرة، التي لا يمكن أن تصلها آلات الحصاد الحديثة، لكنها مرهقة للفلاحين الذين يستخدمون المنجل كأداة رئيسية للحصاد، وهي أداة توارثها الآباء عن الأجداد”.

موسى الزايدي، أحد فلاحي تالوين، عاصر العشرات من مواسم الحصاد في البلدة الصغيرة النائية وسط جبال الأطلسي قبل ظهور آلات الحصاد الحديثة.

يقول الزايدي، وهو في بداية العقد السابع من العمر، إن “العديد من الفلاحين يرتمون بين أحضان استئجار آلات الحصاد الحديثة، رغم ارتفاع ثمن الكراء، حيث يبلغ في المتوسط حوالي 700 درهم (70 دولارا أميركيا) لحصاد الهكتار الواحد من القمح (10.000 متر مربع)”. “أما أجر العامل الذي يستخدم الأدوات التقليدية فيبلغ 70 درهما (7 دولارات) لليوم الواحد، أي أن ثمن حصد هكتار واحد بالآلة الحديثة يمكنه تشغيل عشرة رجال”، وفقا للفلاح المسن.

يذكر أنّ الزراعة هي النشاط الرئيسي لسكان بلدة تالوين، المعروفة بـ”عاصمة الذهب الأحمر”، لتميّزها بزراعة الزعفران، الذي يدخل في الإضافات الغذائية والمستحضرات التجميلية، فالمملكة هي رابع منتج للزعفران في العالم بعد الهند وإيران وأسبانيا.

20