النساء في حياة وأعمال كافكا وبيسوا وبافيسي

الأربعاء 2015/11/25
كتاب يجمع بين ثلاثة من أبرز الأدباء العالميين في القرن العشرين

أبوظبي - أصدر مشروع “كلمة” للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة كتابا جديدا بعنوان “ما لا يُدرك” للكاتب الأرجنتيني لويس غروس وترجمته إلى العربية نقلا عن الأسبانية المترجمة المغربية زينب بنياية.

ينطلق لويس غروس، مؤلف كتاب “ما لا يُدرك”، من فكرة لامعة وجذَّابة، فهو يجمع بين ثلاثة من أبرز الأدباء العالميين في القرن العشرين: فرانز كافكا، وفرناندو بيسوا، وسيزار بافيسي. وهو انتقاء ليس بالاعتباطي، إذ أن حياة هؤلاء الثلاثة، الذين اشتهروا بـ”المعذبين”، تلتقي من خلال عدة قنوات موصلة، رغم الاختلافات البديهية الأكيدة. ويحدث ذلك من خلال نساء أهلوا حياتهم الحقيقية وأعمالهم الأدبية، وهنا “مربط الفرس”، وهنا أيضا نجد المفاتيح التي تسلّط الضوء سواء على أسلوب حياتهم أو على مناحٍ إشكالية من نصوصهم.

يلتقي فرانز كافكا وفرناندو بيسوا وسيزار بافيسي في شخصياتهم المضطربة، والخوف المرضي من مواجهة الحياة -أو بالأحرى، من قيود الحياة- في كتاباتهم التي لم تكتمل أو لم تُـنشر، كما يتشابه هؤلاء الثلاثة في رحيلهم المبكر عن الحياة، وفي المفارقة التي تكمن في الشهرة بعد الرحيل وخمول الذِّكر والفشل خلال حياتهم.

ومع ذلك، “ما لا يُدرَك” ينطلق من هذه التصوُّرات، التي -من فرط تكرارها- أصبحت بمثابة “مسلَّمات” بين النقاد، ليبدأ المؤلف مسارا آخر محوره المرأة. لم يستطع أحد من هؤلاء الأدباء أن ينشئ روابط ثابتة مع الآخرين، وبوجه خاص، مع النساء، فقد كانت علاقاتهم بهن تمثل إشكالية إلى حدٍّ كبير. فلم يستطع أحد منهم أن يواجه خطر الاستسلام لذاته أو لغيره. وبتمزق كبير ومواجهة مريرة مع الذات، نبذوا النساء اللائي عبرن حياتهم ذات يوم، لكي يعشقوا صورة مثالية، مجرَّدة، “لا تُدرَك”، رسموا ملامحها، بالموازاة مع ذلك، في رسائلهم ويومياتهم، مؤمنين، ربما، بأن الاستجابة لإغراء ما هو كلِّيٌّ ومطلق -والذي كان بمثابة هاجس لديهم- لا تكمن في الاستسلام للحب الجسدي ولا لامرأة بعينها، وإنما لفضاء الخلق الأدبي الواسع. ولكن هل كانت تلك استعارة لما لا يُدرَك؟ وكيف أثَّرت على هؤلاء الكتاب استحالة التوفيق بين حياتهم العاطفية والمهمة الفنية التي كرَّسوا ذواتهم لها؟ هل كان الفن والحياة لديهم على طرفي نقيض؟

إذا كانت هذه الفكرة تفرض ذاتها بقوة، فإن تأكيدها، في المقابل، يقتضي جرعات من التوثيق والتعمق والحذر. يحوِّط مؤلف هذا الكتاب، لويس غروس، هدفه عن كثب، ويقترب إليه من خلال دوائر متراكزة. وبذلك يتطور النص دون أن يحاول المؤلف أن يفرض فكرته، وإنما ينسج السطور بتأنٍّ، متيقنا من أنه، لأجل الوصول إلى العمق، أو إلى كشف الحُجُب، لا بد من التثبت وعدم التسرع لعبور الطريق إلى الحقائق.

ولذلك فإن المؤلف، خلال “طقس العبور” هذا، يوازن ما بين البيانات السير- ذاتية للكتَّاب الثلاثة والتأملات والإشارات البيبليوغرافية العديدة. ولكنه، من بين كل المصادر، يولي اهتماما خاصا بالرسائل واليوميات الحميمية. فهي تعكس التقلبات العاطفية لهؤلاء الأدباء والطريقة التي مارسوا بها الهرب، والعزوف والبعد، كلما شعروا بأن رابطا ما يهدد حريتهم أو خصوصيتهم أو وحدتهم. وكذلك الطريقة التي يعوِّضون بها الهدف المنشود أو المفقود بالحقيقة الخطابية التي تشكل جزءا لا يتجزأ من شخصيتهم.

“ما لا يدرك” كتاب يجمع ما بين الأدب والفلسفة وعلم النفس. والمؤلِّف، بأسلوب رشيق وبعمق في التحليل، ينأى في هذا العمل عن القراءة التحليلية التقليدية والجزم المطلق، وذلك بالمراهنة على “اللعبة الأدبية”.

مؤلف الكتاب لويس غروس (1953، بيونس آيرس) أستاذ جامعي وصحفي وكاتب أرجنتيني، صدرت له عدة كتب ما بين الرواية والمقالة والنثر الشعري، من بينها “شعراء سيئون” (1998). و”الجسد” (2004). حصل على جائزة “أرخينتوريس” بمسرحيته “الغامضة كلاريس”. كما صدر له كتاب شعري في سنة 2008، بعنوان “فينلانديون”. وقد وصل كتابه “ما لا يُدرك” إلى المرحلة النهائية من مسابقة المقالات لجريدة “لا ناثيون”.

المترجمة زينب بنياية من مواليد تطوان (المغرب). مجازة في اللغة الأسبانية وآدابها من جامعة عبدالملك السعدي بتطوان (1997). وحاصلة على درجة الدكتوراه في اللغة الأسبانية (فرع اللسانيات). من جامعة غرناطة بأسبانيا (2006). عملت كمترجمة معتمدة لدى وزارة الداخلية لعدة سنوات. وتعمل حاليا لدى وزارة العدل الأسبانية. شاركت في إعداد وتنسيق عدة مناهج لتعليم اللغة العربية لغير الناطقين بها، وبرامج لتعليم اللغة الأسبانية للأجانب.

15