النساء معلمات تجذيف في قوارب البندقية التقليدية

صناع الجندول في البندقية يناضلون لإنقاذ وسيلة النقل التقليدية من الاختفاء في ظل غياب أحواض لمزاولة مهنتهم.
الخميس 2019/06/13
محاولات لإنقاذ التقاليد

تمتاز مدينة البندقية عن بقية المدن بوسائل نقلها البحرية وخاصة  الجنادل التي كانت قيادتها تقتصر على الرجال، ومع التدفق الكثيف للسياح اختارت بعض النساء أن يشتغلن بتعليم قيادة القوارب التقليدية للسياح القادمين للاستمتاع بالتجذيف.

البندقية (إيطاليا) – غابرييلا لاتساري هي واحدة من  نحو عشرين امرأة يعلّمن السياح من أنحاء العالم طريقة التجذيف وقوفا في القوارب الخشبية التقليدية في مدينة البندقية الإيطالية.

تقول جاين كابورال التي أسست جمعية “روو فينيس” قبل أكثر من ثمانية أعوام في محاولة لإنقاذ نمط “فوغا ألا فينيتا” للتجذيف، مازحة “نأخذهم إلى البحيرة حتى يتمكنوا من التجذيف دون الاصطدام بأحد”.

وتضيف “من الواضح أن القوارب التي تجول في البندقية الآن مزودة بمحركات، الأمر الذي أدى إلى تراجع عدد الأشخاص الذين يتجولون في قوارب التجذيف الصغيرة”.

ويناضل صناع القارب التقليدي أو الجندول في البندقية لإنقاذ وسيلة النقل التقليدية من الاختفاء في ظل غياب أحواض لمزاولة مهنتهم.

وتوضح كابورال “نحاول إنقاذ التقاليد. ليس فقط عملية التجذيف بل كل شيء متعلق بها، من بناء القوارب إلى صناعة المجذاف، وهي حرف يدوية مستمرة منذ قرون”.

وتصيح يزي جين فرحا وهي تنزل النصل إلى المياه وتدفع القارب إلى الأمام، بعيدا عن القنوات الهادئة لهذه المدينة الإيطالية العائمة، في المياه المفتوحة حيث تبحر حافلات المياه المليئة بالسياح ذهابا وإيابا.

وتخبر هذه الأميركية البالغة 32 عاما فيما يحاول زوجها الذي يحكم قبضته على مجذافه أن يضاهي وتيرتها “إنه عمل شاق، ظهري يؤلمني، لكنه ممتع للغاية!”.

وتضيف “نرى كل الجزر هنا… المشهد مختلف تماما عن المشهد الذي نراه من جسر ريالتو أو بين الحشود”.

السائحات يتعلّمن التجديف
السائحات يتعلّمن التجديف

معظم النساء اللواتي يدرّسن “الفوغا” يشاركن في سباقات مائية محترفة برعاية “روو فينيس”.

وترى كابورال أنها وسيلة لدخول رياضة ومهنة يهيمن عليها الرجال.

وتقدم لاتساري نصائح الملاحة لتلاميذها أثناء تعليمهم تاريخ المدينة وتقول “إنه من دواعي سروري السماح للسياح بتجربة البندقية على المياه وشرح المشكلات المتعلقة بالتلوث أو ارتفاع مستوى المياه أو الأضرار التي تسببها السفن الكبيرة للنظام البيئي الهش”.

فقبل أسبوع واحد فقط، اقتحمت سفينة سياحية رصيف الميناء ما أثار جدلا حول الضرر الذي تسببه هذه السفن الكبيرة للمدينة.

وتضيف “أنا أخبرهم أيضا عن أنواع القوارب المختلفة التي كانت موجودة في السابق مثل ماسكاريتا التي سميت هكذا لأنها كانت تستخدم من قبل عاملات الليل المقنعات، أو الجندول التي كانت قوارب أجرة للأغنياء”.

وكان حكام البندقية حتى القرن الثامن عشر، يتباهون بالسفن المذهبة والمؤلفة من طابقين التي كانوا يستخدمونها سنويا لإقامة احتفال “زواج البحر” وهو زواج رمزي بين البندقية والمياه.

وتقول السائحة أليس هندريكس البالغة 71 عاما والتي أنهت حصتها، إن قيادة قارب في البندقية “كان حلما وأصبح حقيقة”.

ووفق كابورال، في المدينة راهنا امرأة واحدة فقط تقود القوارب التقليدية، وكان عليها المكافحة من أجل الحصول على حصتها من بين 20 مليون سائح يزورون البندقية كل عام.

وهي تشير إلى أن “أعداد المجذفين (في مراكب الجندول) المعتمدين تتحكم بها رابطة المجذفين. إنه مجال مغلق. ومع جمعية  روو فينينس أتحنا للنساء فرصة لدخوله”.

وتقول هذه الأسترالية المولودة في بريطانيا والتي عاشت في البندقية 30 عاما، إنها اختارت الباتيلا، وهو قارب تقليدي خرج حاليا عن نطاق الإنتاج، لأنه أكثر ثباتا من القارب العادي غير المتناسق (جندول) ويمكن المناورة بسهولة أكبر.

وتروي “اشتريته من ناد للتجذيف وكان خارج الخدمة لسنوات. لقد صنعه حرفي بارع كان قد رأى مثله عندما كان صغيرا”.

وكانت هذه المحلّلة الاقتصادية السابقة مستعدة لدفع 14 ألف يورو في مقابل بناء نسخة منه.

إلا أن الحرفي الذي صنعه توفي، ولم يكن أحد يعرف طريقة تصميمه. فكان على صانعي القارب الحصول على التصاميم من متحف التاريخ البحري الموجود في المدينة.

وأصبحت المراكب التقليدية في البندقية مهددة بالزوال مع تناقص عدد حرفييها وعدم توفر الأحواض اللازمة لاستخدامها كورشات في ظل تزايد الطلب على مساحات من الأراضي لإقامة الفنادق والمطاعم لخدمة السياح، ومع ذلك فلا تزال توجد مجموعة قليلة من الأحواض التي تتم فيها ممارسة فن صناعة القارب التقليدي.

"ماسكاريتا" قوارب سميت هكذا لأنها كانت تستخدم من قبل عاملات الليل المقنعات
"ماسكاريتا" قوارب سميت هكذا لأنها كانت تستخدم من قبل عاملات الليل المقنعات

ويقول كريستيان دورديت (35 عاما) أستاذ معول في فينيسيا وهو اللقب الذي يطلق على صانعي الجندول إنه يجب تغيير الوضع إذا كانت فينيسيا جادة في حماية تراثها.

ويضيف دورديت إن المشكلة الأساسية هنا هي الافتقار إلى مساحات مناسبة من الأراضي يمارس فيها الحرفيون فنهم، وهو ما يعني أيضا الاستمرار في ممارسة نشاط اقتصادي.

ويوضح أن سلطات المدينة تصدر بشكل أكثر سهولة تراخيص بممارسة الأنشطة لمهن أخرى مثل تشغيل الفنادق الصغيرة أو متاجر البيتزا، وغيرها من الأنشطة السياحية.

 ورشة دورديت الخاصة به كانت في الأصل مستودعا في سان جويسيبي وتقع على مسافة قريبة من مدخل الشارع الرئيسي بفينيسيا وغراند قنال وأيضا من متاهة الطرق المائية الأصغر حجما والتي تعرض فيها معظم زوارق الجندول في المدينة خدماتها. ويعمل دورديت ما بين 11 إلى 12 ساعة يوميا ويشاركه في العمل بورشته الصغيرة اثنان من المساعدين المهمين وهما والده وعمه.

ويوضح دورديت أن الجندول ينبغي أن يكون مناسبا للسائق مثلما يكون الحذاء على مقاس القدم، ويقول إنه يأخذ في حسبانه طول ووزن السائق قبل أن يشرع في تصنيع كل زورق بحيث يكون فريدا من نوعه.

وتستخدم في تصنيع الزورق ثمانية أنواع مختلفة من الأخشاب من بينها السرو والبلوط واللاركس الصنوبري والمهاجوني، وتستغرق عملية بناء الجندول بين 25 و30 شهرا، ويتكون من حوالي 300 قطعة ويتكلف نحو 25 ألف يورو.

ويحب دورديت هذا النوع من الحرف الفنية منذ المراهقة عندما بدأ في التدريب على هذه الحرفة تحت إشراف أشهر أستاذ في هذا الفن آنذاك بالبندقية وهو جيانفرانكو فيانيللو.

ويقول دورديت إن طموحه كان يتمثل دائما في أن يؤسس حوضا خاصا به لبناء الزوارق وأن يقوم بتعليم الصغار الذين يهتمون بهذه المهنة.

ويسعى دورديت بالتعاون مع مجموعة من الحرفيين لإقناع سلطات المدينة بالسماح لهم بإنشاء مجموعة من الورش تشمل حوضا جديدا لبناء الزوارق وذلك داخل حوض لبناء السفن غير مستعمل بجزيرة جويدكا .

ويقول إن ثمة إحساسا شعريا في أداء هذه الحرفة، كما أن العمل فيها يشبه التجذيف في القناة الكبرى عند الغروب، ويضيف قائلا “لقد ولدت في فينيسيا وعشت فيها طوال حياتي.

20