النساء وشح الماء وراء تراجع الحناء في الجنوب التونسي

645 طنا من الحناء حصاد موسمي العامين 2016 و2017، ما يشكل تراجعا في الإنتاج مقارنة بالموسم الذي سبق، حين كان الإنتاج في مستوى 810 أطنان.
الجمعة 2018/07/27
زينة العروس كانت تشاركها فيها كل الصبايا

قابس (تونس) - تغيّر منذ سنوات واقع إنتاج الحناء في محافظة قابس بالجنوب التونسي، حيث شهد نوعا من الفتور وعزوف الفلاحين عن غراسة هذه الشجرة الشوكية نتيجة تراجع مردودها وتعرضها لبعض الصعوبات، أهمها طول مدة الدورة المائية للري بالواحات وتأثير انحباس الأمطار على جودة المنتوج وغياب الدعم اللازم لهذا النشاط الفلاحي، إضافة إلى تحول التونسيات إلى الاهتمام بالمواد التجميلية العصرية.

اقتلع حسين معظم شتل الحناء في أرضه بسبب شح المياه، فما يعرف بـ”الذهب الأحمر” في تونس يحتاج إلى الكثير من المياه، ولم يعد يجتذب التونسيات اللاتي عرفن بولعهن بتزيين الأكف وصبغ الشعر.

في يوم مشمس بواحة شنني القريبة من محافظة قابس، يستيقظ المزارع حسين باكرا ليحصل على حصته من المياه لري أرضه. فبعد نقص كميات المياه المخصصة للزراعة، عمدت السلطات إلى تنظيم عمليات الري، بحيث يحصل عليها المزارعون وفق دور محدد.

ويقول حسين، مستندا إلى معوله الذي ينبش به الأرض، “أنتظر دوري في السقي لما بين 15 و20 يوما، وهذه مدة طويلة للحناء التي تتطلب الكثير من المياه”.

ويعبّر عن خشيته من تداعيات قلة المياه، قائلا، “قابس تموت من قلّة المياه. لا يوجد مسؤولون في مدينتنا يدافعون عنها ويبحثون عن حلول”. وتكشف المسؤولة في المكتب الجهوي لوزارة الفلاحة آمال الغيلوفي، أن مدة انتظار الدور يمكن أن تمتد إلى أربعين يوما خلال فترة الصيف.

وزارة الصحة تدعو إلى تجنّب استعمال الحناء "الإكسبريس" لاحتوائها على مواد كيميائيّة خطيرة

وتنظم عملية الري مجموعات للتنمية الزراعية تبيع المياه بـ2.8 دينار (دولار تقريبا) في الساعة، بحسب ما يقول رضا رجب، أحد مديري المشروع.

ولم يعد حسين يزرع سوى حقل صغير من الحناء من مجموع عشرة هكتارات كان أجداده يزرعون فيها من قبل النبتة ذات الفوائد الصحية والجمالية، وأصبحت فلاحته تقتصر على غراسة شجر الرمّان. ويقول “لم تعد الحناء تدر مالا… وأنا أحتاج إلى أن أعيش وأعيل عائلتي”.

وتوضح الغيلوفي أنه تمّ حصد 645 طنا من هذه النبتة الأساسية في الجهة خلال موسمي العامين 2016 و2017، وقد زرعت على 430 هكتارا، ما يشكل تراجعا مقارنة بالموسم الذي سبق حين كان الإنتاج في مستوى 810 أطنان على 540 هكتارا.

كما دفع التلوث بسبب تواجد مصنع كيميائي في المنطقة إلى أن يهجر المزارعون أراضي الواحة الساحلية، ما أثّر سلبا على إنتاج الحناء. وتتطلب زراعة نبتة الحناء درجة حرارة مرتفعة ومستوى رطوبة عاليا أثناء فصل الصيف كما تتحمل الحرارة المنخفضة خلال فصل الشتاء.

ويكون جمع المحصول مرتين على الأقل في السنة تكون الأولى في فترة النصف الأول من شهر يوليو والثانية خلال نهاية شهر أكتوبر. وعلى إثر نزع فروع الحناء أو جرد أوراقها يتم نشرها على الأرض في صفوف لتجفيفها مع الحرص على تقليبها يوميا لتجنب تعفن الأوراق المحجوبة عن أشعة الشمس أو اصفرار الأوراق المعرضة للشمس أكثر من اللازم وبعد الانتهاء من عملية التجفيف تفصل الأوراق عن العيدان وتجمع لطحنها أو بيعها في شكل أوراق.

وتعاني هذه الزراعة من نقص في اليد العاملة إضافة إلى تنامي السوق الموازية وظهور الحناء الـ”إكسبرس” (سريعة التحضير) في الأسواق التونسية والتي تستقدم من اليمن والسودان والهند، وفقا للغيلوفي.

وتدعو وزارة الصحة عموم التونسيين إلى تجنّب اقتناء واستعمال هذه الحناء الإكسبريس نظرا إلى احتوائها على مواد كيميائيّة خطيرة وسامّة تسبّبت في التهابات جلديّة وحساسيّة مفرطة وعديد الإشكاليات الصحية الأخرى لمستعمليها.

ومنذ قرون، تستعمل أوراق الحناء المجففة والمطحونة والتي تُخلط بالماء، في صبغ الشعر وتزيين الجسم بزخارف رقيقة متموجة بين الأحمر والأسود تصمد لأكثر من شهر.

وخبر أهالي قابس استخدام الحناء وتفننوا في طرق تحضيرها حتى بات لكل فصل من فصول السنة نوع من الحناء. ففي فصل الخريف يزداد الإقبال على الحناء “الخريفية” المعروفة بحناء “بوليلة”، ويجنح المغرمون بها في الصيف إلى حناء “المشماش” وحناء “الحصدة الأولى” والحناء “الحمراء”. وخلال مراسم الزفاف، يوزّع عجين الحناء في علب صغيرة مزركشة على الضيوف في يوم “الوطيّة” الذي يخصص لحفلة الزوجة.

وشكلت الحناء المادة التجميلية الأساسية في حفلات الزواج لدى العائلة التونسية، وخصوصا “الحرقوس” وهو خليط سائل من الحناء وأعواد القرنفل وكريات البلوط. وفي حفلات الختان تحرص بعض العائلات التونسية على تخضيب كفي الصبي ورجليه بالحناء ويلبس معها اللباس التقليدي المتكون من الجبة والشاشية والبلغة (حذاء تقليدي).

ومن أزهار الحناء يستخلص زيت الحناء ويتم استخدامه في صناعة العطور، كما دخلت الحناء في صناعة أصباغ الشعر ودبغ الجلود وفي صناعة بعض الأدوية المقاومة للالتهابات الجلدية منها الفطريات وقروح الفم، فقد كانت الجدات يستعملن الحناء كدواء ضد أوجاع الرأس (الشقيقة) والصداع ولتنقية الجلد وتضميد الجراح وتشقق أظافر أصابع الأيدي والأرجل، وهي أمور لا تعرفها الأجيال المعاصرة.

وتعد سوق جارة القديمة بمدينة قابس من أهم الفضاءات التجارية المخصصة لبيع الحناء مسحوقة أو في شكل أوراق بالإضافة إلى العطور والأعشاب الطبية والفواكه والبقول الجافة.

وتتراكم في هذا السوق السياحية أكياس الحناء والبخور على طاولات العرض، لكن الأروقة الآن خالية من الحرفيين. لم تعد التونسيات يمِلن إلى مواد التجميل التقليدية، ويقتصر اختيار “الحرقوس”والحناء على رسم الأوشمة للسياح الوافدين إلى البلاد.

ويقول التاجر إسماعيل (49 عاما) “طلاء الأظافر والصباغ حلّا مكان الحناء… والتونسيات غيّرن عاداتهن وأدرن الظهر للتقاليد. الحناء تجاوزها الزمن عندهن”.

ويؤكد حسن مرابط (85 عاما)، وهو مزارع وتاجر حناء منذ خمسة عقود، أن الحناء كانت “تباع طيلة أيام السنة وكانت سوقنا مكتظة بالقادمين من كلّ المناطق لاقتنائها… وأصبح بيعها حاليا يقتصر على مواسم الأعراس في يوليو وأغسطس”.

وترى الغيلوفي، أن الحل الوحيد لإعادة إعطاء دفع للقطاع وجعله يتجاوز الحدود، يكمن في التعريف “بالاستعمال الطبي للحناء وفوائدها الطبيعية”.

وبدأ في تونس بيع أكياس الحناء حاملة علامة “بيو” (طبيعي) ومنظفات شعر بمستحضرات هذه النبتة، في المحلات المتخصصة في بيع مواد الحمية الغذائية. وحسب الغيلوفي، يقتصر تصدير الحناء على مبادرات شخصية خارج إطار الشركات التجارية، ويبقى “محدودا جدا مقارنة بالجودة العالية للحناء القابسية”.

ويخلص محمد مرابط قائلا “حناء قابس كانت الذهب الأحمر لتونس، لكن الدولة لم تقدّره”.

20