النسق التصاعدي لهجرة الكفاءات التونسية يدق ناقوس الخطر

نزيف هجرة الأدمغة التونسية مستمر مع تواصل الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد منذ سبع سنوات.
الاثنين 2018/02/26
البحث عن أمل خارج أسوار الوطن

تونس- لا يغري حلم الهجرة في تونس نحو دول الشمال الغنية الأكثر وفرة ماديا والتي تتمتع بكل مرافق الحياة ذات الجودة العالية، جعلت شعوبها توصف “بالشعوب السعيدة”، المهاجرون غير الشرعيين الذين لا يأبهون لقوارب موت تتلاقفها أمواج البحر، يطمعون في حياة تحت سقف تلك الدول، بل باتت مقصدا لخيرة الكفاءات التونسية من أطباء ومدرسين ومهندسين وغيرهم.

واحتلت تونس المرتبة الثانية عربيا بعد سوريا، في هجرة الكفاءات العلمية أو ما يعرف بـ”هجرة الأدمغة”، حيث سجلت كتابة الدولة للهجرة والتونسيين بالخارج، مؤخرا، مغادرة حوالي 94 ألف كفاءة تونسية الأراضي التونسية، خلال الـ6 سنوات الأخيرة، 84 بالمئة منهم اتجهوا نحو الدول الأوروبية.

وكشفت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية في دراسة لها، أن التركيبة السكانية للتونسيين المقيمين بالخارج تغلب عليها كثرة الشبان المتعلمين والمتحصلين على شهائد جامعية شاملة لعدة اختصاصات، وأن هذه التحولات رافقها ارتفاع في عدد رجال الأعمال والباحثين والكفاءات العلمية.

وراء هذا النسق التصاعدي المرتفع لهجرة الأدمغة دوافع تبررها ضائقة اقتصادية واجتماعية منذ اندلاع ثورة يناير والإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي عام 2011. فأمام تردي الاقتصاد وتراجع مؤشر النمو عاشت الحكومات المتعاقبة حالة ارتباك في مرحلة الانتقال الديمقراطي وبناء الجمهورية الثانية أفقدت ثقة الشعب في نخبه السياسية.

لم تر الكفاءات في السياسات المتبعة بعد ثورة يناير أنها في مستوى الآمال المتوقعة بل مشابهة لسياسة نظام بن علي، المتهم الأول بتراجع مستوى التعليم وتهميش الإطارات التونسية. حيث طبقت ذات الخطوات وإن تغير الخطاب، فالأجور المخصصة لهم لا ترتقي لطموحهم ولا حتى إلى فحوى النصوص القانونية التي تحدد الأجر حسب الشهادة العلمية المتحصل عليها.

هذا الاستياء وأجواء التشاؤم انعكسا في استبيان أنجزه مركز تونس للبحوث الاستراتيجية وشارك فيه حوالي 250 شخصا من الكفاءات التونسية في اختصاصات مختلفة، حيث عبّر 78 بالمئة من هذه الكفاءات عن رغبتهم في مغادرة البلاد.

هجرة الأساتذة الجامعيين

سامي نصر: الكفاءة التونسية لم تعد تستطيع الانتظار ونفاد صبرها قادها إلى الهجرة
سامي نصر: الكفاءة التونسية لم تعد تستطيع الانتظار ونفاد صبرها قادها إلى الهجرة

يعد الأساتذة الجامعيون والأطباء والباحثون في طليعة المهاجرين من البلاد. وكشف المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية في دراسة أجراها مؤخرا أن 4 آلاف أستاذ جامعي هاجروا إلى الخارج، وأن 80 بالمئة من الأساتذة الجامعيين ينوون الهجرة.

وإن أقر وزير التعليم العالي سليم خلبوس بأن هجرة الأدمغة “استفحلت في السنوات الأولى التي تلت الثورة”، إلا أنه  نفى مؤخرا صحة هذه الأرقام مشيرا إلى أن العدد الحقيقي للكفاءات المهاجرة يبلغ إلى حدود فبراير الجاري حوالي 1513 كفاءة، فيما عاد إلى تونس 1500 من كفاءاتها. واعتبر خلبوس أن هجرة الأدمغة “عادية” في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد إضافة إلى الظروف الإقليمية.

لكن حسين بوجرة كاتب عام الجامعة العامة للتعليم العالي المنضوية تحت الاتحاد العام التونسي للشغل له رأي مخالف، وقال بوجرة لـ”العرب” إن “السياسة التي انتهجتها وزارة التعليم لا تراعي النصوص القانونية الخاصة بالتأجير”. واعتبر أن “تراجع سلم التأجير بشكل كبير هو السبب الرئيسي لهجرة الأساتذة”.

وتابع “أمام هذا الواقع الصعب بات المدرس يبحث عن حلول فردية ولم يجد أمامه غير هجرة تراب البلاد إلى بلدان عربية أو غربية”. ورأى أن “نزيف الكفاءات سيضر بميزانية الدولة التي تنفق عليهم لسنوات طويلة ثم النتيجة تفضيل الهجرة بسبب عدم نجاعة سياسة التأجير”. منبها إلى أن ذلك “سيشكل كارثة للجامعة التونسية التي تفقد أهم كفاءاتها سنويا بأعداد مهولة”.

وحمل بوجرة الوضعية المتردية التي يعاني منها الأساتذة إلى وزارة التعليم العالي ورئاسة الحكومة التي لم تنجح في الحفاظ على كفاءات البلاد”. ولفت إلى أن “نقابة التعليم العالي نفذت إضرابا يومي 20 و21 من شهر فيفري الجاري ووقفة أمام البرلمان تنديدا بارتفاع ظاهرة الهجرة ورفضا لهذا الواقع”.

وعلى غرار هجرة أساتذة التعليم العالي فإن الأطباء التونسيين الذين يحظون باعتراف دولي بكفاءاتهم وخبراتهم الصحية والمعرفية، قد توافدوا بشكل مرتفع نحو الخارج في السنوات الأخيرة ما جعل مؤسسة سبر آراء محلية تدق ناقوس الخطر.

هجرة الأطباء

أثارت هجرة الكفاءات الطبية في تونس جدلا في الآونة الأخيرة عقب الإحصائيات التي نشرتها إحدى مؤسسات سبر الآراء المحلية. وذكرت مؤسسة سيغما كونساي في يناير الماضي أن “45 بالمئة من الأطباء الجدد المسجلين في هيئة الأطباء السنة الماضية قد غادروا البلاد”. واعتبر حسن الزرقوني مدير المؤسسة أن “هذا الرقم هو ناقوس خطر لأن تونس في حاجة إلى أبنائها في هذه الفترة“.

وبين منير يوسف مقني رئيس المجلس الوطني لعمادة الأطباء لـ”العرب” أن “أسباب هجرة الأطباء متعددة لكن أبرزها تراجع المنظومة الصحية في البلاد”. ومضى قائلا “الظروف الصعبة التي عاشتها البلاد في السنوات السبع الأخيرة إضافة إلى ظروف العمل التي تفتقر للتجهيزات الطبية فاقمت كذلك من هذه الظاهرة”. ولفت إلى أنه “أمام الأجور الضعيفة لم يعد الطبيب يقاوم عروض عمل بأجور مغرية كالتي توفرها دول الخليج العربي”. 

وحذر عميد الأطباء من أنه “مع تواصل هجرة الكفاءات الطبية التونسية التي تعد من أحسن الخبرات على المستوى العالمي، فإن البلاد ستكون في السنوات العشر القادمة من دون أطباء ومهددة بعلاج مواطنيها خارج الوطن”. وحسب تقديرات العميد فإن “460 طبيبا غادروا البلاد عام 2017 و650 طبيبا سيغادرون العام الجاري”.

ورأى مقني أن هذا “النسق التصاعدي والأرقام المرتفعة مخيفان. ولا حل أمامنا غير تحسين المنظومة الصحية وتقاسم الأدوار”.  لكنه استدرك قائلا “نستبعد ذلك أمام الأزمة الاقتصادية الخانقة التي نعيشها”.

تفاقم البطالة تدفع بالكفاءات إلى اختيار الهجرة
تفاقم البطالة تدفع بالكفاءات إلى اختيار الهجرة

مقاربة الحكومة

تتفهم الحكومة التونسية دوافع هجرة كفاءاتها لإدراكها الصعوبات الاقتصادية التي تعاني منها وجعلتها تتخذ إجراءات وصفتها بـ’القاسية” و”الموجعة” لتجاوز هذه الأزمة من خلال موازنة تعتمد فيها على الزيادة في الضرائب والترفيع في بعض المواد الاستهلاكية لكن لم تلاق استحسان المواطن، بل عبر عن رفضه لها عبر احتجاجات  طالت عدة محافظات بداية هذا العام.

وتعي الحكومة أن صبر المواطن وصبر الكفاءات بات ينفدان أمام صعوبة هذا الوضع. وقد حذر رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد في أغسطس الماضي من مخاطر هجرة الكفاءات نحو الخارج، مضيفا أن “الحكومة بصدد بلورة استراتيجية متكاملة لاستقطاب الكفاءات التونسية العاملة بالخارج، من أجل مشاركتها في بناء تونس الجديدة والمساهمة في النهوض بالاقتصاد التونسي.

كما دعا الشاهد إلى ضرورة العمل على تعبئة الكفاءات التونسية في المهجر عبر اتخاذ العديد من الإجراءات المبنية على الثقة وتمتين العلاقة مع ما لا يقل عن”8233 إطارا يعملون خارج حدود الوطن”، من مهندسين وجامعيين وأطباء ومحامين وباحثين وقرابة 1200 رجل وسيدة أعمال.

في حين رأى وزير التعليم العالي أنه بالإمكان تحويل هذه الهجرة إلى إمكانات تخدم البلاد، مشيرا إلى أنه “سيتم العمل على دعم التشبيك للحفاظ على التواصل مع الجامعيين المهاجرين الذين لهم القدرة على استقدام التكنولوجيات الجديدة أو فتح آفاق جديدة للشراكة”.

 لكن سامي النصر الخبير في علم الاجتماع أشار لـ”العرب” بأن “الكفاءة التونسية لم تعد تستطيع الانتظار أكثر ونفاد صبرها قادها إلى خيار الهجرة”. وأوضح نصر أن “أسباب الهجرة على غرار الدوافع المادية،  ثقافية كذلك. وقال “شعوبنا مازالت لا تحترم قيم المواطنة وفي حاجة إلى إدارك  ثقافة احترام الآخر وهذا يحتاج إلى وقت”.

وتابع “تشوهت العلاقات الاجتماعية بسبب العنف اللفظي  الذي بات يشمل كل مرافق الحياة وداخل أسوار الجامعة والمستشفيات.. هذا يحرض الكفاءات على البحث عن بدائل أخرى”. وأردف قائلا “صورة ذهنية  لهؤلاء تقول إن الخارج بات الخيار الأفضل”.

6