"النسور الصغيرة".. فيلم يصالح بين الأبناء وآبائهم عبر محاكمتهم

الفيلم التسجيلي "النسور الصغيرة" للمخرج المصري محمد رشاد نجح في حصد الجوائز العربية والعالمية، منها جائزة أفضل فيلم تسجيلي في مهرجان مالمو للفيلم العربي وجائزة لجنة التحكيم في مهرجان الأقصر.
الجمعة 2018/04/27
ماذا لو كان لي أب أفضل

القاهرة – يقدّم فيلم “النسور الصغيرة” للمخرج المصري محمد رشاد مجموعة من الأحداث والوقائع الممتدة عبر ما يزيد عن خمسة عقود مضت، ويستعرض الفيلم التجارب الشخصية لجيلين مختلفين، جيل الآباء وجيل الأبناء، عارضا للقناعات والأفكار التي حدّدت مسار حيواتهم وحيوات من حولهم أيضا.

ويطرح فيلم “النسور الصغيرة” الذي عرض أخيرا ضمن أعمال السينما التسجيلية التي تقدّمها سينما زاوية في القاهرة حالات مختلفة من اكتشاف الذات، من التمرّد على جيل الآباء إلى تلمّس الأعذار لهم والعثور على نقاط توافق تتشابه خلالها تجربة الهزيمة التي عايشها هؤلاء الآباء مع تجربة الأبناء التي ما زالت ماثلة أمامهم بضياع حلمهم في التغيير بعد ثورة يناير 2011.

تجربة حقيقية

يعتمد العمل على تجربة حقيقية حدثت في نهاية السبعينات من القرن الماضي، بتأسيس عدد من قادة اليسار المصري لجمعية “النسور الصغيرة” بهدف أن يتواصل أبناؤهم سويا، وينشأوا على نفس المبادئ والأفكار التي آمن بها آباؤهم.

فهل نجحت تلك التجربة في وضع الأبناء على نفس المسار الذي أراده لهم الآباء؟ وما هي طبيعة العلاقة اليوم بين الجيلين بعد عقود من هذه التجربة؟

تساؤلات عدة يبحث الفيلم عن إجابات لها، مقارنا في الوقت نفسه بين هذه العلاقة التي ربطت الأبناء بالتجربة الشخصية لمخرج الفيلم، وهذه التجربة المغايرة تماما لتجربة “النسور الصغيرة”.

الفيلم يراوح بين التاريخ الشخصي والجماعي، ويتنقل بين الماضي والحاضر كاشفا عن مناطق التداخل بينهما
الفيلم يراوح بين التاريخ الشخصي والجماعي، ويتنقل بين الماضي والحاضر كاشفا عن مناطق التداخل بينهما

يبدأ الفيلم باستعراض لحياة محمد رشاد الشخصية وعلاقته بوالده، العامل البسيط الذي لم ينخرط في السياسة من قبل، وكيف دفعته رغبته في دراسة السينما إلى ترك العمل بمهنة الهندسة والانتقال إلى القاهرة.

ووالد محمد مثل الملايين من الآباء في عالمنا العربي، الذين يفضلون العيش بسلام بعيدا عن أوجاع السياسة ومنغصاتها، تتقاطع تجربة محمد رشاد الشخصية مع تجربة “النسور الصغيرة” حين يلتقي باثنين من هؤلاء الأبناء الذين عايشوا تجربة “النسور الصغيرة” في ثمانينات القرن الماضي، وهما الناشطة السياسية سلمى سعيد، والمخرج بسام مرتضى.

وما بين التمرّد على الأب واستكشافه لتجارب الآخرين مع آبائهم، يأخذنا السرد إلى مساحات من التلاقي بين التجربتين، يستعرض المخرج خلالها أسباب تمرّده على أبيه، حتى وصوله في النهاية إلى قناعة بأن تضحيات أبيه، ذلك العامل المُكافح لا تقل بأي حال من الأحوال عن تضحيات آباء أصدقائه.

“ماذا لو كان لي أب أفضل؟”، هو واحد من التساؤلات الشائكة التي ربما تطرأ كهاجس في ذهن الأبناء، ويطرحه هنا محمد رشاد في شكل مباشر وجريء عبر استعراضه لتجربته مع أبيه، مازجا بين حالة الحكي والخيال أحيانا، ليصل إلى طبيعة هي أقرب إلى الدراما منها إلى السرد الذي يقدّمه، ما يخفّف من أجواء العمل المعتمد في جانب كبير منه على اللقاءات الحوارية.

وينتقل الفيلم إلى استعراض تجربة جيل السبعينات من خلال اثنين من أبرز القادة اليساريين، وهما سعيد أبوطالب والد سلمى، ومحمد مرتضى والد بسام، مستغرقا في حوارات منفصلة مع الشخصيات الأربع، ما يسلّط الضوء على تلك المساحات الشائكة والمرتبكة بين جيل الآباء وجيل الأبناء.

ويقدّم فيلم “النسور الصغيرة” مراجعة لتلك المواقف التي تم اتخاذها بدافع الإيمان بالأفكار، وكيف أثّرت هذه المواقف على مصير الجيل الحالي من الأبناء والأحفاد.

وخلال الفيلم يراجع محمد رشاد نظرته القاصرة لوالده، ويكتشف أبعادا جديدة كانت غائبة عن ذهنه، فهذا الأب البسيط الذي لم يكن يتحدّث إلى أبنائه إلاّ نادرا واجه منفردا وطأة التغيرات الاجتماعية ودافع عن تماسك أسرته في هدوء ودون أن يدعي البطولة.

وهذه الجوانب الإنسانية التي يرويها الأب بمشاعر صادقة وقدرة على مواجهة الكاميرا كانت لافتة للانتباه وغلفت سياق الفيلم بطابع إنساني، بعيدا عن حالة السرد التي اعتمد عليها الفيلم.

بين جيلين

يراوح الفيلم ما بين التاريخ الشخصي والتاريخ الجماعي، وينتقل بخفة ما بين الماضي والحاضر كاشفا عن مناطق التداخل بينهما، وتنتقل هذه العلاقة بين الجيلين من الاتهام بالفشل الذي يسيطر على نظرة الجيل الحالي لجيل الآباء، إلى محاولة تفهّم مواقف الآباء وتلمّس الأعذار لهم، هو حوار ممزوج بالصدق وأشبه بمراجعة الأفكار والقناعات.

وتأخذنا فكرة التصالح مع الأب إلى فكرة التصالح مع الماضي أيضا إلى حد الاعتراف بالأخطاء، هنا يقتحم السياق شعور دفين بالذنب يستشعره “الكادر” اليساري في السبعينات سعيد أبوطالب تجاه صديقه القديم العامل في أحد المصانع، والذي أقنعه بضرورة النضال من أجل حقوقه، وهو ما أدى إلى اعتقاله.

ويلتقط المخرج هذه الواقعة مستدعيا أحد أبناء هذا العامل ليدور حوار بينه وبين أبوطالب حول هذه التبعات السلبية لمسلك أبيه، ويبدو هذا الشعور بالذنب والهزيمة عاملا مشتركا بين جيل الآباء وجيل الأبناء، فكلاهما هُزم على نحو ما.

وفي الفيلم يقف الجيل الحالي في مواجهة نفس التساؤلات والاتهامات التي واجهها الآباء في حقبة السبعينات، وهو يشهد تكرار الأمر بهزيمة ثورة يناير 2011 وما تبعها من شعور بالمسؤولية.

فيلم “النسور الصغيرة” هو أقرب إلى محاولة التوثيق لعقل ومشاعر هذا الجيل، كما يقول الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي، وهو جيل عاش ثورة يناير ويشعر اليوم بأنه لم يفعل شيئا، جيل يعيش الإحباط ولا يعثر حتى على بصيص من الأمل.

ويعد فيلم “النسور الصغيرة” المحاولة الأولى للمخرج محمد رشاد في السينما التسجيلية الذي كتب وأخرج من قبل فيلمين روائيين قصيرين، هما “من بعيد” و”مكسيم”.

16