النسوية الشعبية والنسوية الليبرالية

الأحد 2015/11/22

تعادل عبارة جوهرية واحدة كتبا كاملة، فعندما أطلقت سيمون دو بوفوار صيحة التمرد النسوية الفريدة من نوعها في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1949 وقالتها بكلمات بسيطة “نحن نولد بشرا ثم نصير نساء” في كتابها “الجنس الثاني” نقضت بذلك مقولة أرسطو: الأنثى هي أنثى بمقتضى افتقار معيّن لبعض الطباع، كما نقضت مقولات عدد من القديسين من بينهم توما الأكويني عن المرأة، وكان المجتمع الأوروبي بعد هزيمة ألمانيا الهتلرية مجتمعا مترنحا يلعق جراح الحرب ويدّعي التحرر وهو في الحقيقة مجتمع ذكوري صارم متشبع بقيم عنصرية وعرقية تخضع فيه النساء ويضطهد الرجال استنادا إلى أشكال من التمييز بين البشر على أساس الجنس ولون البشرة والدين والمعتقد الفكري استمرارا للنزعات الفاشية والنازية والعنصرية التي تغلغلت في مفاصل المجتمعين الألماني والإيطالي كحالنا اليوم، فجاءت صيحة سيمون دو بوفوار في كتابها لتؤكد لنا أن المجتمع هو من يخالف الطبيعة الإنسانية ويعزل الإناث ويميّز بين النساء والرجال ويضع المرأة في مكانة متدنية ليسوّغ إخضاعها للرجال فتنجب وتخدم ويجري إهمالها متى شاء الذكور ذلك.

أسهمت عبارة دو بوفوار في تحطيم تلك البداهات التي تحط من مكانة المرأة ودفعت النساء نحو تعزيز الذات الفاعلة في البيت والمجتمع ولم يتقبل المجتمع الأوروبي البورجوازي هذا الحراك النسوي واعتبر صعود مكانة المرأة شأنا يهدد أسس النظام الاجتماعي التقليدي الذي كرّسته الكنيسة والتقاليد البورجوازية فهوجمت دو بوفوار ورفيقاتها من قبل نساء الطبقة البورجوازية والأرستقراطية.

وبدأت النزعة النسوية بالتبلور والتشكل ووصفت بأنها “منظومة فكرية أو سلوكية مدافعة عن مصالح النساء وداعية إلى توسيع دائرة حقوقهن الإنسانية” وشرعت النسويات في تكوين وعي نسوي فردي بين قريباتهن وصديقاتهن أنتج بالتالي وعيا نسويا جمعيّا يقف بوجه التفوق الجنسي الرجالي رافضا التهميش الكامل للنساء في لحظة سقوط القوى العنصرية والفاشية.

ومن جهة أخرى تصدت الروائية دوريس ليسينغ للموضوع بأسلوب مختلف وعُدّت حينها من تيار “النسوية الشعبية” بسبب تكوينها وفكرها الماركسي الذي يرى أن التمييز الجنسي بين النساء والرجال ليس هو المنبع الأول للإذلال والقهر بل إن الكفاح من أجل المساواة لا بد أن يترافق مع النضال ضد الفقر والتهميش والعنصرية، بمعنى أن موضوع القهر الذي تتعرض له النساء مرتبط على نحو جذري بقضية القيم الفوقية والتقاليد الجائرة والفقر والاستغلال والعنصرية سواء كانت نازية أو فاشية أو دينية أو جنسية.

وعندما أشارت الدراسات النقدية النسوية لاحقا الى دوريس ليسينغ باعتبارها من “النسويات” أنكرت ذلك بل وامتعضت من توصيفها بالكاتبة النسوية، فهي لا تعادي الرجال ولا تطلق عليهم الأوصاف المشينة كالنسويات المتعصبات الليبراليات اللائي يعملن في مجال التصارع بين ثقافة ذكورية مهيمنة وأخرى نسوية خاضعة فيؤجّجن الحروب بين الرجال والنساء، ولا ننس المقالات النارية التي هاجمت فيها النسويات الأميركيات الكاتب المناهض للنسوية وحركات تحرر المرأة “نورمان ميلر” الذي كتب مقالات قاسية عن النساء والنزعة النسوية .

عملت دوريس ليسينغ على إيجاد منطقة وسطى معتدلة للفكر النسوي تتقبل النقاش مع الرجال ولا تصدر أحكاما جائرة، ووصفت النسويات الراديكاليات بالتعصب المفرط وقالت إنهن “نساء لا يعرفن التمتع بعلاقة مع الرجال” وهي التي عرفت بمناهضتها للعنف الاستعماري والتفرقة العنصرية وتهميش البشر في جنوب أفريقيا وخير مثال رواياتها الأهم: “العشب يغني” و”المفكّرة الذهبية” و”مذكرات جارة طيبة”، التي تكشف عن مواقفها الحرة في الحب والسياسة والتأثير في نساء العالم رغم رفضها فكرة النسوية.

كاتبة من العراق مقيمة في عمّان

11