النسوية تهاجم التمييز الجنسي في الابتكارات التكنولوجية

المقاسات الموحدة للأجهزة الإلكترونية والبرامج لا تناسب الجميع.
الأحد 2019/07/14
تأنيث شكلي بأعماق ذكورية

تتصاعد في ثنايا التقارير والدراسات الأصوات النسوية المتذمرة من انحياز منتجات وبرامج التكنولوجيا لصالح الرجال في مستويات عميقة تتكشف يوما بعد يوم عن تفاصيل جديدة.

الشكوى المباشرة والأكثر وضوحا هي المقاسات، حيث تجد معظم النساء أن أحجام الأجهزة في الغالب غير مناسبة بدرجة ملاءمتها للرجال مثل سماعات الرأس، أو حتى أحجام الهواتف الذكية، التي تجدها بعض النساء أكبر مما ينبغي.

لكن موضع التذمر الأكبر واتهامات الانحياز للرجال بدأت تتسع وتصل إلى عمل البرامج الذكية ودرجة تفاعلها واستجابتها للرجال والنساء.

هناك اليوم اختبارات تؤكد على سبيل المثال أن برامج المساعد الصوتي تستجيب لأصوات الرجال بطريقة أفضل من استجابتها للنساء، اللاتي يقول بعضهن أن ذلك قد ينطوي على تحيّز عميق في تصميم البرامج.

تمييز يبدأ بالمقاسات

إيلين مور: يبدو وكأنّ مبتكري البرامج والأجهزة التكنولوجية ينطلقون من افتراض أن المستخدم سيكون رجلا
إيلين مور: يبدو وكأنّ مبتكري البرامج والأجهزة التكنولوجية ينطلقون من افتراض أن المستخدم سيكون رجلا

تقول الكاتبة إيلين مور في مقال في صحيفة فايننشال تايمز البريطانية إن القاسم المشترك عند تجربة الأجهزة الإلكترونية التي يمكن ارتداؤها يتمثل في مشكلة واحدة، هي أنها نادرا ما تطابق مقاسات النساء من حيث الحجم.

وتضيف أن سماعات الرأس تنزلق غالبا بسبب حجمها الكبير المنحاز لأحجام رؤوس الرجال، وأنها تجد أن معظم الهواتف الذكية الرئيسية المطروحة في الأسواق جدا بحيث تكون غير عملية بالنسبة لها.

وتقر بأن ذلك لا يفسد التجربة تماما لكنه يشعرها بعدم الارتياح إلى حد ما. وتقول إن ذلك لا يعود إلى أنها رقيقة بشكل خاص، ولكن لأنها فقط أصغر قليلا من حيت المقاسات من متوسط مقاسات الرجل الغربي.

قبل بضع سنوات، لم يكن هذا التذمر شائعا ولم تكن النساء يعبّرن عنه ربما لأن الأجهزة والبرامج كانت جديدة، ولم يحن الوقت لتأمل تلك التفاصيل، إضافة إلى أنها كانت قليلة وأقلّ شيوعا.

لكن الانتباه إلى التحيّز في التصميم اتسع بشكل كبير وبوتيرة متصاعدة مع رسوخ دور تلك الأجهزة في حياة الجميع. وبدأت شركات التكنولوجيا تتلقّى انتقادات وشكاوى متزايدة، حتى أن الأصوات النسوية المنتقدة أصبحت تستغرب عدم الاستجابة وعدم حدوث تغيير يذكر.

في عام 2014 تعرّضت شركة أبل لموجة انتقادات ساخرة بسبب طرحها تطبيقا يراقب مقاييس صحية مثل مستويات تناول الصوديوم، وعدم التوجه إلى قضايا صحية تهم أعدادا أكبر من مستخدميها مثل الحيض لدى النساء.

وتتركز الانتقادات اليوم إلى أن برامج المساعد الصوتي مثل أمازون أليكسا وأبل سيري تفهم أصوات الذكور أكثر من الإناث.

كما أن الهواتف الذكية التي تتلاءم بشكل مريح مع أيدي الرجال يمكن أن تشعر النساء بالإرهاق، رغم أن البعض يقول إن بعض الهواتف الذكية أصبحت كبيرة جدا على أي يد بشرية.

بعض التقارير والدراسات تقول إن التمييز اتسع ولم يعد يقتصر على التمييز الجنسي لصالح الرجال على حساب النساء.

وتشير إلى بعض الحالات، التي لا يكون التحيّز مقصودا، وربما يكون موضع ترحيب، مثل تقنيات التعرّف على الوجه، التي تعمل بشكل أفضل مع الوجوه البيضاء.

وهناك أدلة على وجود نوع من التمييز في نتائج تطبيقات الرعاية الصحية، التي تؤدي إلى تباين في التشخيص لا تحسمه إلا التجارب السريرية.

افتراضات متحيزة

برامج المساعد الصوتي مثل {أمازون أليكسا} متهمة بالتمييز الجنسي لأنها تستجيب إلى أصوات الرجال بدرجة أكثر دقة من استجابتها لأصوات النساء
برامج المساعد الصوتي مثل {أمازون أليكسا} متهمة بالتمييز الجنسي لأنها تستجيب إلى أصوات الرجال بدرجة أكثر دقة من استجابتها لأصوات النساء

تقول مور إنه في كثير من الأحيان، يبدو وكأنّ مبتكري البرامج والأجهزة التكنولوجية ينطلقون من افتراض أنّ المستخدم سيكون رجلا. ربما دون قصد وأنّ الأمر لا يتجاوز سوى أنّ المبتكرين غالبيتهم من الرجال.

وقد لا يقف التمييز عن هذا الحد بل يبدو أحيانا أنهم افترضوا أيضا أنه رجل غربي أبيض وحاصل على درجة عالية من التعليم، وأيضا يعمل معهم في ذات المختبر!

وتعرض الصحافية والناشطة البريطانية كارولين كريادو بيريز في كتابها “نساء غير مرئيات: كشف انحياز البيانات في عالم مصمم للرجال” تفاصيل أوسع للتمييز الجنسي في علم التكنولوجيا.

وتشير إلى أن فجوات البيانات، التي تؤدي إلى التمييز الجنسي تحدث ببساطة لأن العيّنات التي تستند إليها ضيقة جدا، إضافة إلى أن استخدامات الرجال مباشرة ويمكن أن تؤخذ كنموذج في تصميم الأجهزة والبرامج.

وترى أن اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في مسح وتحليل كميات هائلة من البيانات يمكن أن يؤدي إلى رصد أوجه القصور والتمييز، التي تهمش النساء ومجموعات أخرى كثيرة من البشر.

ويعتقد الخبراء أن اتساع توجهات ما يعرف باسم “فيمتك” (femtech) أي التكنولوجيا المعنية بالاستجابة للنساء، أن تبدأ على الأقل بإعادة التوازن إلى توجهات الأجهزة والبرامج في التعامل مع الجنسين.

وبدأ ذلك المصطلح يزداد شيوعا في المؤتمرات والدراسات والمشاريع الجديدة واجتماعات المستثمرين. وأصبحت التكنولوجيا الصحية التي تركّز على حاجات النساء، من قضايا الحمل إلى انقطاع الطمث تحظى بالإشادة باعتبارها نجاحات كبيرة.

تحول استثماري ملتبس

إيدا تين أول من أطلق مصطلح "فيمتك" الذي يشير إلى التكنولوجيا والتطبيقات المعنية بشؤون النساء
إيدا تين أول من أطلق مصطلح "فيمتك" الذي يشير إلى التكنولوجيا والتطبيقات المعنية بشؤون النساء

هناك مؤشرات على أن التمويل بدأ يتدفق من أصحاب رأس المال المغامر ويسجل مستويات قياسية في تكنولوجيا “فيمتك”، بعد أن كانت لا تتجاوز 23 مليون دولار سنويا قبل عقد من الزمن، وفقا لبيانات مؤسسة بيتشبوك.

وتقول المؤسسة أن ذلك المجال استقطب في العام الماضي استثمارات تزيد على 400 مليون دولار، وأنها من المتوقع أن تسجل قفزة كبيرة أخرى خلال العام الحالي.

ويُنسب مصطلح “فيمتك” إلى إيدا تين المؤسسة المشاركة لتطبيق “كلو” الذي يتعقب الحيض الشهري النساء، والتي تقول إن المستثمرين الذكور كانوا غير مرتاحين عند الحديث عن المنتجات التي تركز على النساء وكانوا بحاجة إلى مصطلح جديد.

وقد تزايد عدد التطبيقات التي تعمل في هذا المجال والتي تنظم وتراقب الرضاعة الطبيعية والتنبؤ بمعدلات نجاح التلقيح الاصطناعي، وصولا إلى منصات صحية شاملة تركّز على النساء عبر الإنترنت مثل منصة ميفن.

 وترى إيلين مور إن ذلك أمر جيد، لولا أنّ عاملا غير مريح في توجّهات الاستثمار في “فيمتك”، وهو أنّ المستثمرين وغالبيتهم من الرجال يشعرون بأنهم يقدّمون خدمة تستحق الإشادة لأنهم يضعون أموالهم في مجالات تخصّ النساء.

وتشير إلى أن مؤسسي شركات في مجال “فيمتك” يواجهون صعوبة عند جمع التمويل من المستثمرين، الذين غالبيتهم من الرجال حيث يبدو الموضوع وكأنّه محرج لأولئك المستثمرين.

وتضيف ساخرة أن الغريب في الأمر أن المستثمرين لم يشعروا بالحرج وهو يتسابقون لتمويل تطبيق رو (Ro) المتعلق بمشاكل الانتصاب الجنسي لدى الرجال، والذي جمع 88 مليون دولار في نهاية العام الماضي.

وتقول إن الحديث عن تراجع التمييز ينبغي أن ينتظر إلى أن نرى فصل تطبيقات القضايا الصحية الخاصة بالرجال عن المحور العام للقضايا الصحية، مثلما هو حاصل مع قضايا المرأة أو نرى ارتفاع الاستثمار فيها لتقترب من تلك المتعلقة بالرجال.

ويبدو مستقبل التمييز بين الجنسين غامضا، حيث تنقسم آراء الخبراء بشأن استشراف الدور الذي يمكن أن يلعبه الذكاء الاصطناعي في ردم فجوة عدم المساواة بين الجنسين أو في توسيعها في مجال الوظائف التي ستزحف إليها الآلات والأتمتة لتستبعد الحاجة إلى الموظفين.

هناك من يحذّر من أن تطبيقات ومسارات الذكاء الاصطناعي، التي يهيمن الرجال على تحديد مسارها قد تفاقم التمييز ضد النساء، بسبب قلّة مشاركة النساء في ابتكاراتها وقلة ميلهن إلى تطوير مهاراتهن.

ويمتد التحذير إلى أن الوظائف المكتبية التي تهيمن عليها النساء قد تكون من أكبر ضحايا الأتمتة.

في المقابل هناك من يرجّح أن تكون مهارات النساء أكثر حصانة وقدرة على الصمود، وأنها سوف تتأقلم بشكل أفضل مع وظائف المستقبل من الكثير من الوظائف اليدوية التي يهيمن عليها الرجال.

هل التكنولوجيا ذكية بالفعل؟

يرى فريق المتفائلين أنّ المسارات المستقبلية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي ستكون أكثر استجابة لحاجات المستهلكين، وبذلك فإنها سوف تنصف المرأة بدرجة أكبر، لأنها ببساطة تمثّل نصف المستهلكين، ولا بد للتكنولوجيا أن تنصفها إذا كانت ذكية بالفعل.

وتقول جيما لويد الشريكة المؤسسة لشركة وورك 180 وهي شبكة وظائف دولية للنساء مقرّها أستراليا “إذا لم تزدد مشاركة النساء في ابتكار التكنولوجيا فإنّ منتجاتها لن تكون جيدة ولن ترضي المستهلكين لأن النساء يشكّلن 50 بالمئة منهم”.

وتثير قلة نسبة النساء بين المبرمجين والمبتكرين وصانعي التكنولوجيا، إحباط المدافعين عن المساواة في الحقوق، حيث لا يشكّلن على سبيل المثال سوى 22 بالمئة من المهنيين العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي على المستوى العالمي.

ويخشى البعض من أن المستقبل الرقمي يجري تصميمه للرجال من قبل الرجال. ويطالبون بضرورة إشراك المزيد من النساء في الابتكارات والبرامج والاستثمارات، لكي تلبّي بدرجة أكبر احتياجات النساء، خاصة في مجل تطبيقات صحة المرأة المسماة “فيمتك”.

الأتمتة تستهدف النساء

المسارات المستقبلية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي ستكون أكثر استجابة لحاجات المستهلكين
المسارات المستقبلية لتطبيقات الذكاء الاصطناعي ستكون أكثر استجابة لحاجات المستهلكين

تتنبأ دراسة أجراها باحثون في صندوق النقد الدولي بأن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تفشي فقدان الوظائف بشكل غير متناسب بين النساء والرجال، عندما تزيح الأتمتة ما يقدّر بنحو 10 بالمئة من الوظائف الحالية خلال العقدين المقبلين.

وتتوقّع استنتاجات الدراسة التي أجريت في 30 دولة، أن تكون وظائف النساء الأكثر تضرّرا نتيجة شيوع عملهن في الوظائف المكتبية والإدارية المعرّضة بشكل أكبر للاختفاء بسبب الأتمتة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي.

في ذات الوقت يتوقّع الباحثون أن تؤدي هيمنة التكنولوجيا إلى خلق الكثير الوظائف الجديدة ذات الأجور المرتفعة، يذهب معظمها لأصحاب التعليم المرتفع في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات.

لكن دراسة صندوق النقد الدولي تحذّر من أن قلّة ميل النساء إلى دراسة تلك المواضيع سوف يؤدي إلى قلة نصيبهن من تلك الوظائف.

وتشير البيانات التي توردها الدراسة إلى مؤشرات مقلقة مثل تراجع نسبة حصول النساء في الولايات المتحدة على شهادات في علوم الكمبيوتر منذ عام 2000.

أما في بريطانيا فقد أظهر استطلاع أجرته شركة برايس ووترهاوس كوبرز في عام 2017 أن نسبة 3 بالمئة من الطالبات يفضلن دراسة الاختصاصات التكنولوجية في حين تصل النسبة بين زملائهن الذكور إلى نحو 15 بالمئة.

لكن تلك المخاوف من أن يضع انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي النساء في المسار الخطأ، يقابلها رأي آخر يرجح أن يحدث العكس.

ويقول أنصار ذلك الرأي أن استخدامات الذكاء الاصطناعي والابتكارات التكنولوجية، مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد وأتمتة المصانع ووسائل النقل والنشاطات الزراعية سوف تؤدي بدرجة أكبر إلى اختفاء وظائف الأعمال اليدوية المرتبطة عادة بالرجال.

ويتوقعون أن تنجو معظم الوظائف المرتبطة تقليديا بالمرأة، والتي له علاقة بمهارات الذكاء العاطفي، وقد يؤدي ذلك إلى تزايد الوظائف الجديدة المناسبة للنساء أكثر من تلك الملائمة للرجال.

17