النشاط الفني يعود من جديد.. فما الذي تغير؟

الكثير من العواصم العربية والعالمية تعلن عن إجراءات محدودة لاستئناف أنشطتها الثقافية في ظل الالتزام الصارم بالإجراءات الوقائية.
الجمعة 2020/07/17
أعمال مايكل راكوفيتز تعكس مفاهيم العمارة والآثار والمطبخ

بعد أزيد من مئة يوم من الإغلاق العام الذي فرضه تفشي وباء كورونا عاودت العديد من المؤسسات الفنية وقاعات العرض في المنطقة العربية وفي العواصم العالمية فتح أبوابها أمام الجمهور من جديد. عروض فنية محدودة أُعلن عنها أخيرا بعد اعتماد العديد من المؤسسات على الفضاء الإلكتروني كبديل لفضاءات العرض التقليدية.

من الطبيعي ألا يعود المشهد التشكيلي العربي والعالمي بعد الإغلاق الذي عرفته صالات العرض لأزيد من ثلاثة أشهر كما كان قبله، هناك أشياء كثيرة ستتغيّر بلا شك بعد تفشي فايروس كورونا المستجد، ففي ظل الأجواء المحفوفة بالتوجّس والخوف من العدوى ستُراجع الكثير من المؤسسات وقاعات العرض آلية عملها وتعاملها مع الجمهور.

لعل أهم مظهر سيفتقده الزائر إلى تلك المؤسسات هو الفعاليات المصاحبة للعروض، من ندوات وحلقات نقاش وورش العمل التي كانت تتواصل على مدار العام تقريبا.

استئناف تدريجي

مؤسسة كبيرة كمؤسسة الشارقة، مثلا، والتي كان برنامجها حافلا بالعروض والنشاط على مدار الساعة، أعلنت أخيرا عن عودتها للفتح التدريجي لمساحات العرض بها، لكنها احتفظت بالنشاط الجماهيري كما هو عبر الفضاء الإلكتروني، حيث اقتصر نشاط المؤسسة حاليا على عرضين اثنين فقط مع التأكيد على اتخاذ أقصى احتياطات الأمان.

الزائر إلى قاعات العرض عليه أن يخضع لقياس درجة الحرارة والتعقيم، بالإضافة إلى منع لمس الأعمال الفنية، والتأكيد أيضا على وجود عدد محدود من الزائرين داخل المكان الواحد، وقد حدّدته مؤسسة الشارقة بخمسة أفراد فقط التزاما بتوجيهات التباعد الاجتماعي الموصى بها. واستهلت المؤسسة نشاطها المفتوح بمعرضين اثنين، الأول هو “الفن في زمن القلق” وهو معرض يضم فنانين عربا وأجانب، أما المعرض الآخر فيقدّم تحت عنوان “الغرفة الماطرة” وهو عمل تركيبي يخوض فيه الزائر تجربة المشي داخل غرفة تهطل فيها الأمطار دون التعرّض للبلل.

الفنان المصري عصمت داوستاشي يستأنف نشاطه بمعرض استعادي
الفنان المصري عصمت داوستاشي يستأنف نشاطه بمعرض استعادي

أما مركز جميل للفنون في دبي فقد أعلن هو أيضا افتتاح مساحاته الفنية للجمهور مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة من أجل السلامة، بتحديد حدّ أقصى للزائرين، واتباع الإجراءات نفسها التي أعلنت عنها مؤسسة الشارقة ومعظم مؤسسات وقاعات العرض في الإمارات العربية المتحدة. وافتتح مركز جميل عروضه بمعرض شامل يضم أعمال الفنان مايكل راكوفيتز وهو فنان أميركي من أصول عراقية، تتمحور معظم أعماله حول منطقة الشرق الأوسط، وجزء كبير من تجربته مستلهم من الأحداث والصراعات والحروب في هذه المنطقة. وهو يعد واحدا من أشهر الفنانين العالميين المؤثرين في جيله.

وتنعكس في أعمال راكوفيتز مفاهيم العمارة والآثار والمطبخ، حيث تتميّز تجربته بعمليات بحث عميق وتناغم شديد مع الأبعاد الاجتماعية للممارسة الفنية، من خلال استكشاف التواريخ الشخصية والاجتماعية والمادية وربط القصص المتباينة عبر الزمان والمكان.

ويقدّم راكوفيتز في هذا المعرض ثمانية تركيبات فنية أبدعها خلال العقدين الأخيرين بوسائط مختلفة، كالمجسمات والرسم والفيديو والصوت والتصوير الفوتوغرافي. وهذا العرض يعدّ الأول للفنان في منطقة الشرق الأوسط.

يذكر أن واحدا من أبرز أعمال الفنان الأميركي – العراقي هو تمثال “لاماسو” أو الثور المجنح المستلهم من حضارة الرافدين، والذي عرض قبل فترة وجيزة على منصة في ميدان الطرف الأغر في وسط مدينة لندن، وهو تمثال مصنوع من الفوارغ المعدنية لعلب التمر العراقي. وتُعرض للفنان أعمال أخرى أنجزها في فترة الحرب الأميركية على العراق يعلن خلالها رفضه لتلك الحرب.

"الغرفة الماطرة" عمل تركيبي يخوض فيه الزائر تجربة المشي داخل غرفة تهطل فيها الأمطار دون التعرّض للبلل

وخلافا لمعرض الفنان الأميركي – العراقي مايكل راكوفيتز تستضيف مؤسسة جميل أيضا ثلاثة معارض فردية لفنانين عرب هم لاريسا صنصور وهي فنانة فلسطينية تقيم في بريطانيا، والأردني لورانس أبوحمدان والفنان الفلسطيني تيسير البطنيجي.

وأعلن مركز جميل في وقت سابق مجموعة من الاشتراطات من أجل السماح للزائرين بدخول القاعات، ومن بين هذه الاشتراطات، مثلا، ضرورة الحجز المسبق للزيارة عبر موقعه الإلكتروني، كما يتوجب على زائر المعارض الالتزام بارتداء الكمّامة الطبية والقفازات كشرط لدخول المكان، هذا بالطبع بعد الخضوع لفحص درجة الحرارة والتعقيم الكلي. ولن
يسمح المركز أيضا بزيارة الأطفال أقل من 12 عاما، أو كبار السن فوق الستين عاما.

غياب الطوابير

حرص المتاحف على التقليل من عدد الزائرين
حرص المتاحف على التقليل من عدد الزائرين

لم يقتصر الاستئناف التدريجي لنشاط المؤسسات الفنية وقاعات العرض على الإمارات فقط، فالكثير من العواصم العربية والعالمية أعلنت عن إجراءات محدودة لاستئناف النشاط العام بما فيها النشاط الثقافي. وبدأت العشرات من قاعات العرض في أرجاء الوطن العربي فتح أبوابها تدريجيا، شريطة الالتزام الصارم بالإجراءات الوقائية.

وفي مصر افتتح غاليري مشربية أبوابه للجمهور بمعرض لأعمال الفنان المصري عصمت داوستاشي، يضم تشكيلة متنوّعة من الأعمال التركيبية التي قدّمها الفنان منذ ستينات القرن الماضي، إلى جانب عدد كبير من أعماله التصويرية.

أما غاليري سفر خان فقد استهل برنامجه بمعرض جماعي يضم مجموعة من الأسماء الفنية الشابة بأعمال تجمع بين النحت والتصوير والفوتوغرافيا، وقد أعلنت العديد من القاعات الأخرى عن برنامجها للعروض الفنية بعد انتهاء أشهر الصيف.

ولا يختلف الأمر كثيرا خارج نطاق المنطقة العربية، فقد أعلنت العديد من المتاحف والمؤسسات العالمية حول العالم نيتها معاودة النشاط، بل استأنفت العديد من هناك العديد من المؤسسات الفنية الكبرى بأوروبا نشاطها فعليا، كمتحف اللوفر ومركز جورج بومبيدو في باريس، والمتحف البريطاني وتيت غاليري في لندن.

ومع هذا ستفتقد العواصم الأوروبية طوابير الزائرين الطويلة حول المتاحف، وهو مشهد مألوف لسكان هذه المدن وزائريها. وهناك تشكّكات كثيرة في أن تعاود هذه المؤسسات عملها كما في السابق، فالتقليل من عدد الزائرين بات أمرا لا مفرّ منه.

يذكر أن آخر معرض كبير نظمه متحف اللوفر، مثلا، قبل الإغلاق وكان لأعمال فان غوخ قد استقطب أكثر من مليون زائر في أقل من أربعة أشهر فقط.

العواصم الأوروبية باتت منذ انتشار فايروس كورونا بأراضيها تفتقد إلى طوابير الزائرين الطويلة حول المتاحف

ويرى الكثير من الخبراء في سوق الفن أن هذه الأعداد الغفيرة ربما ستكون من الماضي، فبالإضافة إلى حرص المتاحف على التقليل من عدد الزائرين، سيكون هناك إحجام من الناس على زيارة المتاحف على النحو الذي كان عليه الأمر من قبل.

ومن ناحية أخرى بات الاستثمار في العروض الضخمة للفنانين الكبار يمثل مخاطرة كبيرة لدى الممولين والمتاحف نفسها، فمثل هذه المعارض الضخمة تتكلف أموالا طائلة، وهناك تخوّف واضح من أن مثل هذه العروض لن تستطيع مستقبلا تغطية تكاليفها الضخمة كما كان يحدث سابقا.

ويضاف إلى ذلك ما تكبدته هذه المؤسسات بالفعل من خسائر نتيجة لفترة الإغلاق الطويلة، وهو ما سيؤثر على نشاطها مستقبلا، حيث يرى البعض أن هذا التأثير قد يمتد إلى خمس سنوات قادمة أو أكثر.

17