النشرات الإخبارية بين المباشرة والتلقين

الجمعة 2017/02/24

"النشرة الصباحية"، "نشرة الظهيرة"، "نشرة الثامنة" هي مسميات لنشرات الأخبار التي تبث على قنواتنا، وقد تم وضع تسميتها لالتزام بثها بتوقيت محدد، ولعدم قابلية الثبات في مضمونها الإخباري إلا بـ"الأخبار" كمفهوم عام، أما تفاصيلها -وهي غير محاورها- فتتغير تبعا للحدث اليومي، محليا كان أو إقليميا أو عالميا، وهي إذ تنتهج بأسلوب عرضها الطريقة التقريرية التلقينية للحدث، فهي قد تنضم إلى الروتين اليومي في حياتنا، وفي برمجة المحطات الفضائية والمحلية، غير القابلة للتغيير أو التحويل أو ربما التطوير، ولثباتها في هيئتها ومحاورها العامة قد تصيب المتلقي بالملل، وتقع هي نفسها في فخ التكرار نظرا لسرعة الخبر في عصر المعلومات.

الوعي العام لأهمية دور الأخبار، ومتابعة الرأي العام لما يجري، أظهرا في عالمنا العربي، ابتداء من تسعينات القرن الماضي، أن الفضائيات الإخبارية متوائمة مع عولمة الإعلام، ورغم أن هذه الفضائيات تحمل في برامجها باقة من المنوعات السياسية والاقتصادية والتثقيفية والترفيهية والرياضية وغيرها، إلا أن حصة الأسد فيها للنشرات الإخبارية التي تطالعنا على رأس كل ساعة، بالإضافة إلى محطات زمنية غالبا ما تكون ثلاثا تبعا للوقت، يتم فيها التفصيل بالحدث السياسي والدخول في أعماقه بشكل موسع.

وهذا لا يقتصر على الفضائيات ذات الصبغة السياسية فحسب بل يتعداه إلى المحطات التلفزيونية المحلية، التي تعطي لنشرة الأخبار حيزا كبيرا، وتعكس توجه القناة ورؤيتها واصطفافها وسياستها التي تتبع، وهذا يتأتى حصرا من خلال النشرة والبرامج السياسية الحوارية التي تطلقها تلك القنوات.

يلفت النظر في مجال النشرات الإخبارية كونها البرامج الوحيدة غير المسجلة التي تتجه إلى الجمهور بشكل مباشر وواضح لا لبس فيه، فهي بهيئتها العامة تتمثل بإعلامي أو إعلامية يجلسان خلف منصة ويتوجهان بالحديث إلى جمهور مخفي خلف الكاميرا، بطريقة أشبه ما تكون بالتلقين، وإذ لا يمكن للمتلقين التفاعل بالسلب أو الإيجاب مع الإعلامي القارئ، فنشرة الأخبار تكاد تكون البرنامج الوحيد، مع استثناءات محدودة، الذي يتوجه للجمهور بشكل مباشر ولا يكون مسجلا، وكأنه يعترف بدور هذا الجمهور، ويقر له بأهميته ودوره في نجاح المؤسسة الإعلامية واكتسابها المصداقية في نقل المعلومة، أو حصد الكم الأكبر من المشاهدين.

إلا أنه مع تلك الميزة، فهناك مآخذ على نشرات الأخبار، فالتوجه التلقيني للمشاهدين مع احترامه للرائي وتوجهه إليه دون أي وسيط، يقع في فخ الجمود، والكمون، والصمت وانعدام التفاعل، ومع سعي الكثير من النشرات الإخبارية لإدخال عناصر حية فيها من قبيل استقاء رأي الشارع في حدث معين، أو تقارير المراسلين، أو الريبورتاجات المتنوعة، فإنه لا يغير الكثير من طبيعة النشرة التي قد يصح توصيفها بـ”المسرحية” إذ أن الفاعلين فيها هم قلة إعلامية، والباقون هم متلقون ليس بيدهم إلا أن يحبروا أو يمتعضوا أو ربما لا يتأثرون بالمشهد، دون تفاعل جاد في طبيعة النشرة أو تدخل عملي فيها.

قد يرد على هذه النقطة نوع من الإشكال ويتمثل في أن القناة المعنية تسعى لإرضاء المشاهدين واكتساب ثقتهم من خلال استطلاعات الرأي وغيرها من الأساليب لتطوير نفسها، لكن مهما طورت القناة نشراتها الإخبارية فلا قدرة لها على تجاوز طبيعة التلفزيون الذي يحدد نشراتها بطبيعة الجمود، ليس لتقصير من المؤسسة الإعلامية إنما لكينونة التلفزيون، وهو ما وعاه فيسبوك على سبيل المثال الذي أطلق خاصية البث المباشر مع إمكانية التفاعل المباشر معها، وهنا تنجح وسائل التواصل الاجتماعي حيث يفشل التلفزيون.

ونأخذ المراسل الذي غالبا ما تتوافر فيه الألمعية والذكاء والثقافة المتخصصة والحضور أمام الكاميرا، لنسأل في ظل التقدم التكنولوجي وسرعة المعلومات، وانتشار الأجهزة الذكية هل هناك من خطر ما على دوره؟

أثبتت التجربة ولا سيما في ما يعني الثورة السورية في أيامها الأولى استعاضة عدد من الفضائيات الإخبارية عن المراسلين بـ"شهود العيان"، كما أن عددا من المحطات المحلية والعربية والعالمية تطلق خاصية أن يكون المشاهد مراسلا عبر إرسال البيانات المتلفزة للقناة، ثم إن غالبية الأحداث الطارئة التي تحصل في العالم، يتم نقلها عبر هواة من المارة فتشكل سبقا للحدث تتبناه أهم المؤسسات الإعلامية. يضاف إلى ذلك أن الواقع يظهر نوعا من المنافسة لدور المراسل ويتبلور من خلال الأجهزة الذكية في أيدي الهواة وشهود العيان.

كاتب سوري

18