النشر فضاح للأسرار المخبوءة

الاثنين 2018/01/22

يصادف بعضنا في كثير من الأحيان أناسا يخبرونه أنّهم يكتبون لأنفسهم، وأنّهم لا ينوون نشر أيّ نتاج، ويفضّلون الاستمتاع بقراءة ما يختارونه، أو ما يقع بين أيديهم، ويفضّلون ألا يورّطوا أنفسهم في مشاكل الكتابة والنشر، لكنّهم يدوّنون تفاصيل من يوميّاتهم، ويكتبون بعض ما يخطر لهم، سواء بصياغته كقصائد قصيرة أو خواطر أو قصص قصيرة جدا، أو كشذرات تعبّر عما يجول في دواخلهم، وتنقل وجهة نظرهم ورؤاهم إلى أوراقهم التي يبقونها قيد الكتمان.

هل ينبع ذلك من اعتبار الكتابة انكشافا أمام الآخر؟ هل النشر فضّاح للأسرار المخبوءة؟ إن كان النشر وإطلاع الآخرين بعيدين عن مرام المرء فلماذا يتجشّم عناء الكتابة؟ هل النشر شرط للكتابة أم أنّه تحصيل حاصل لا غير؟ هل يكتب المرء لنفسه أم تراه يكتب نفسه ويخشى كشفها واستعراض أسرارها أمام القرّاء؟

قد يكون إقبال البعض على كتابة يومياتهم من باب المصارحة مع الذات وتوثيق التفاصيل لئلا يطالها النسيان، عساه يعود إليها في أوقات لاحقة، أو يضعها بين أيدي مَن يهمّهم أمره مستقبلا كي يتعرّفوا إلى حياته بدقائقها ومن خلال تسلسل أحداثها الموثٌّقة بالكتابة، كما قد يكون الاستنكاف عن النشر ردّا على الإحباط أو تعبيرا عنه، وتأجيل الأمر لمَن قد يغامر بدلا عنهم ويحاول تعويضهم وردّ الاعتبار لهم ولو كان بعد رحيلهم.. بعد الاطلاع على المكتوب.

ربّما يقول أحدنا ما حاجتنا إلى كُتّاب لا يثقون بأنفسهم وكتابتهم، ويخفونها كأنّها ألبستهم الداخلية الحميمة، أو كأنّها تحفة لا يودّون مشاركة غيرهم بها، أو أنّها لذّة سرّية خصوصية لهم، وأيّ نشر لها قد يكشف شخصيّاتهم وما يخبّئونه للآخرين، ويمنحهم فرصة التلصّص على حياتهم وماضيهم؟

ينوّه البولندي فيتولد غومبروفيتش (1904 – 1969) في تمهيده لكتابه “اليوميات” بأنّه لم ينشر في يومياته كلّ ما كتبه، بل احتفظ بجزء منها كاحتياطي، لكنه يفضل ألا ينشر ذاك الجزء المتبقي الأكثر خصوصية، وأنه لا يريد أن يعرّض نفسه للمشاكل، وأنه ربما سيفعل في وقت ما.. لاحقا.. ويبدو أنّ تلك المرحلة المؤجّلة هي مرحلة تأن ودراسة ومراجعة وإقرار.

هناك مَن يملك قوّة وجرأة لإتلاف ما يكتب لنفسه، أو عنها، ليمضي في رحلته الحياتية حارقا ما راكمه من كتابات خاصّة حميمة لنفسه، باحثا عن إرواء روحه المتعطّشة للتعبير عن ذاتها، أو مكاشفة نفسها أمام مرآتها الداخلية، من دون أن يفسح لأحد المجال ليطّلع على سرّه اللذيذ بالنسبة له، وهناك آخرون يتركون القرار لمن سيعثر على ما كانوا قد كتبوه لأنفسهم، وكان لديهم شعور أنّهم يكتبون للآخرين لكنّهم يتركون خيار النشر وقراره لهم.

هذا الجانب من التفكير منح الأدباء والروائيين مساحة فنية للعب، وإيهام القارئ أحيانا بأنّه عثر على يوميّات مخبوءة لأحدهم لم يرد نشرها في حياته، وأنّها تحتوي كثيرا من الأسرار والتفاصيل المتعلّقة به وبزمنه، وقد يكون هذا ما يروي بطريقة ما فضول القارئ لاكتشاف السرّ الذي منع صاحبه من النشر والمكاشفة.

كاتب سوري

15