النشر في سوريا ثقافة حياة تصر على البقاء

الاثنين 2014/08/18
ما قاله شعراء سوريا في سنوات ثلاث يزيل أثره التراكميّ برميل متفجر واحد

في ظل الأزمة التي تعيشها سوريا على كل الأصعدة، يلاحظ استمرار بعض دور النشر في عملها، متحدية الواقع، خاصة وأن هذا القطاع كان عادة هو الأكثر حساسية تجاه أيّة أزمة اقتصادية عادية، فكيف بأزمة عسكرية وأمنية بحجم الأزمة السورية.

الناشر السوري أحمد م. أحمد، صاحب ومدير دار أرواد للنشر، يقوم بتحدّ من نوع آخر، تحدّ مضاعف، أن ينشر، وأن يتخصص في نشر كتب ودواوين الشعر في بلد كل ما فيه يحترق، وحول خيار استمراره بعالم النشر، أكد لصحيفة العرب أن مهنة النشر، لم تكن مهنة، بقدر ما كانت “هوى” ورثه من علاقته بالكتاب في أزمنة الطفولة الفقيرة، حين كان يتشمم الكتاب، ويتحسس صفحاته، فيبدي إعجابه من عدمه بإخراجه الداخلي وتكوين حروفه وتصميم غلافه.


علاقة مع الكتب


يشير أحمد إلى أنه يعيش علاقة سرية مع الكتاب، يقرؤه أكثر من مرة، ثم يضعه على رفّ صغير قد امتلأ بعد ردح طويل من الزمن. ويتابع قائلا: «أسّستُ الدار عام 1993، وفي العام 2000 سافرت إلى الولايات المتحدة، وبقيت 11 عاما، وهناك انتبهتُ إلى أن الحنين الأكبر كان للنشر، ولرائحة الكتاب، والانطباع الأول الذي يصيبني وأنا أحمله كطفلي الأول، هذا الحنين الذي لم أستطع مقاومته، فعدت إلى قلب الموت السوريّ لأعيد فتح الدار، وكانت المفاجأة الحقيقية، أن هناك من يريد أن ينشر، ويوقّع كتابا في حفل يحضره 400 من المهتمين بالكتابة والكتاب. ممّا دفعني إلى الإحساس بأنها ثقافة حياة تُصرّ على البقاء كتحدّ للموت والدمار، وثقافة الحياة هذه هي التي تدفع شاعرا في منطقة منكوبة لأن يتصل بي وينشر كتابه، وهي ذاتها التي أعادتني إلى سوريا».

ووفق إحصائيات الدار، فقد كانت حصيلة النشر منذ عام 2011، أي منذ انطلاق الانتفاضة في سوريا وحتى اليوم أكثر من 250 كتابا، في مختلف صنوف الأدب، وخاصة الشعر، وحول ولعه بنشر الشعر بشكل أساسي رغم صعوبة تسويق هذا المنتج الأدبي، وعدم قدرة أي دار نشر على الارتكاز عليه، والإستراتيجية التي يعمل عليها، قال الناشر: «الحرب مشروع موت للحيّ، وللمبدع الحيّ. ما كنّا نعيشه في الثمانينات والتسعينات من همّ حداثويّ، تحوّل، للأسف، إلى صرخة احتجاجية مخنوقة غاضبة، مجروحة بالكاد".

ويضيف أحمد: «يحدث الشعر في هذا الزمن، لأنه ليس أمام المبدع ما يكفي من الوقت والصبر لكتابة رواية أو قصيدة مطوّلة محكمة، فالحدث يتسارع كل ساعة، وقد تصيب المبدع قذيفة أو رصاصة قنّاص وهو في طريقه لشراء بعض الخبز، وفي هذا السياق، ليس ثمة إستراتيجية أعمل عليها في هذا الموت، سوى البقاء والاستمرار، حتى تنفد الوسائل وتنغلق أمامي الطرق، أو تنتهي هذه الحرب، وحينها سأقول وأفعل الكثير".

النشر تحد من نوع آخر، في بلد كل ما فيه يحترق، لكنه تحدّ مضاعف إن تعلق بنشر كتب ودواوين الشعر


تأثير الشاعر

وأحمد الذي يكتب القصة والنثر الشعري، وترجم العديد من دواوين الشعر لشعراء أميركيين معاصرين، يفضّل أن يوصف بالناشر، لأن النشر بالنسبة إليه هوى ومهنة، فيما يرى أنه لم يكتمل كشاعر، إذ يعتبر نفسه يكتب القصة القصيرة، لافتا إلى أن لديه مجموعة قصصية، لكنه دخل إلى الشعر مصادفة، بعد أن عاد إلى الترجمة في أواخر سنواته الأميركية. ترجم للشعراء الأميركيين المعاصرين، وأذهله تشارلز سيميك في كتابه الصغير “العالم لا ينتهي”، إذ أن قصائده النثرية قريبة من النزق والتمرد اللذين يسمان طبعها في رأيه. وهو يتكيف مع نقص القراءة ومتابعة جديد الكتابة العربية، فكتب متأثرا بها، لذلك يعتبر كتابته قريبة من النثر الشعريّ، وربما، في الوقت الراهن، يتقبّل لقب مترجم أدب، من حيث أنه لا يرى نفسه مكتملا كشاعر.

وعن قدرة الشعر على التأثير بالثورات عموما، يوضح أحمد «ما قاله شعراء سوريا في سنوات ثلاث يزيل أثره التراكميّ برميل متفجر واحد، أو قرار استخباراتي واحد، أو تغيير أو مقتل زعيم عربي واحد".

ويضيف «ليس ثمة ما يؤثر في الثورات أكثر من أن تؤمّن رغيفا ودثارا لمهجَّر، وأكثر من الدعوة لوقف الدم، وهذا يقوم به الناشط الإغاثي والداعية السلمي أكثر من الشاعر، لم يرقَ الشاعرُ السوريّ بعدُ إلى نيرودا أو لوركا أو طاغور، حسْبُ الشاعر السوريّ أن لا يكون الآن بحجم عدسة منظار القنّاص".

وفيما كان بالإمكان أن يكون الشاعر حياديا في القضايا السياسية، وهل يكتمل دوره الثقافي بذلك، يصرح الناشر والكاتب السوري «أن الشاعر المحايد في الحرب والموت هو شاعرٌ داعر، بل إني أعتبر أن الانحياز هو معيار الأخلاق والإبداع، من حيث أن لا إبداع من دون أخلاق. فالأخلاقي الكبير لا يتلطّى وراء جدران نيتشه، ولا يلوي عنق المقولات الكبرى فتوافق هواه الدنيء، إنما يرفع الصوت، ولو شعرا -وهذا أضعَفُ الشِّعر- لوقف الموت المجاني، وليس للضخ الطائفيّ وتبرير العنف والقتل المجاني، إن الشاعر المحايد في الحرب والموت هو شاعرٌ داعر، بل إني أعتبر أن الانحياز هو معيار الأخلاق والإبداع، من حيث أن لا إبداع من دون أخلاق".


الشعر ضد السلاح


ورفض أحمد أن يكون الشعر خطابا أيديولوجيا، ويعتبر الأيديولوجيا في زمن الحرب خيانة لجوهر الشعر، ويبين ذلك قائلا: “أدّعي أن الشعراء الذين أدلجوا كتابتهم، انزاحوا إلى الصفوف الخلفية، في حين تألّقَ شعراء الضمير المتطهّر من العنف والكراهية، المتعالي على الطوائف والانقسامات، فبان جوهره وأصالته السورية، وفي زمن الحرب العبثية لا أتفق مع أدونيس في أن “الكتابة حمض أيديولوجيّ”، فهنا تغدو الأيديولوجيا خيانة لجوهر الشعر، وتجارة رقيق، كأن يدعو شاعر في مناسبة ما إلى مزيد من التسليح، ويقترح تكتيكاتٍ حربية على فصائل إسلامية مسلّحة، ويدعو آخر في مقامٍ آخر إلى استهداف طوائف بعينها عسكرياً، بعد أن عفّر وجهها ـ أيديولوجياً ـ بالتراب".

ويؤكد الكاتب والقاص السوري أن لغة السلاح تُربك مشاعر وأحاسيس الأديب والشاعر، لكنه يأمل أن تكون حافزا لتحولات دراماتيكية تؤسس لتيارات أدبية حداثية، تمثل مبادئ ثورة سورية جديدة، أما لغة العنف فهي، في رأيه، تُربك، وتفكك، وترمّد، ولكن من قلب هذا الرماد سينهض فينيق القصيدة الجديدة التي ستخضع لمخاضات وتحولات دراماتيكية، تُعيد إلى أذهاننا تيارات الأدب بعد الحربين الكونيتين.

ويختم أحمد: «ثمة تيار عبثيّ جديد ذو طعم مغاير وخصوصية مكانية وزمنية، قد بدأ يتشكّل على أنقاض الخطاب الكلاسيكي ـ وكل خطاب في مرحلة ما قبل الحرب هو خطاب كلاسيكي مؤسِّس لـ”ما بعد حداثة” سورية، ستحمل على عاتقها الثورة السورية الجديدة، غير المغدور بها، ثورة التغيير والأمل والسلام، كما أتمنى وأحلم».

15