النشر ليس مهنة الدولة

السبت 2017/05/20

كثيرون لم ينتبهوا إلى ورقة هامة كان قد تقدم بها قبل سنة الباحث ووزير الثقافة المصري الأسبق عماد أبوغازي بخصوص النشر الحكومي بمصر. فقد اختار أبوغازي ألا يصطفَّ وراء المحتفين بأرقام الكتب الصادرة عن مختلف الهيئات، ليدق ناقوس الخطر إزاء ما يتخفى وراء الأرقام.

يؤكد عماد أبوغازي أن العقود الثلاثة عرفت تضخما كبيرا في النشر في الكثير من هيئات وقطاعات وزارة الثقافة، حيث لم تعد الهيئة العامة للكتاب هي الناشر الوحيد التابع لوزارة الثقافة، إذ يحصي أبوغازي ثلاثة عشر من الكائنات التابعة للوزارة، بالإضافة إلى مكتبة الأسرة. وكان من نتائج هذ الوضع غياب التنسيق بين الهيئات، حيث يحدث، على سبيل المثال، أن يصدر العنوان الواحد عن أكثر من هيئة.

ويخلص أبوغازي، أمام هذا الوضع، إلى اقتراح سياسة جديدة، تقوم على تخفيف النشر بوزارة الثقافة بمختلف هيئاتها، على أساس أن تصير كل مطابع الوزارة تابعة للهيئة العامة للكتاب، ويتم النشر فقط من خلال مكتبة الأسرة. أما الأهم، بالنسبة إلى أبوغازي، فهو الدعوة إلى البحث عن صيغة مبتدعة لدعم صناعة النشر.

ويبدو أن المغرب قد انتبه إلى هذا الأمر قبل ذلك، حين قررت وزارة الثقافة توقيف منشوراتها، التي لا تضاهي في كل الأحوال ما يصدر من حيث الحجم بمصر. وبذلك، وبعد تجربة على مستوى إصدار سلسلتي الكتاب الأول والأعمال الكاملة، وهي صيغة كانت مهمة ومطلوبة في لحظة ما، مقابل ذلك، أطلقت الوزارة صيغة جديدة لدعم مختلف حلقات صناعة الكتاب والنشر.

ويبدو أن هذه الصيغة هي التي يمكن أن تدعم الصناعة مع احترام حرية الكتابة، من حيث أنها تنتشل القطاع من حالة الهشاشة عبر دعم مقاولاته الخاصة، إذ وحدها هذه الأخيرة القادرة على تحقيق الدينامية المطلوبة، التي تترك الأثر الفعلي والمستديم على كامل حلقات صناعة الكتاب والنشر، نظرا لاشتغالها وفق مبدأين أساسيّين في تطور أية صناعة، وهما مبدأ التنافسية والجودة.

بهذه المقاربة تصحح الجهة الحكومية الداعمة مسار صرف نصيب من المال العام، إذ بدل استنفاذه في عملية إنتاج تنتهي بتكديس الكتب في المخازن، فإنها تحوله إلى دعم محكوم بدفتر شروط فنية تدفع بالمقاولة إلى تجويد أدائها، بل والذهاب أبعد من ذلك، من خلال توسيع هامش الإبداع فيما تقترحه من منتوج كتابي. كل ذلك دون أن يكون للجهة الحكومية أية حسابات تنحرف بالدعم وتوقعه في شبهة الريع، أو أي توجيه أو تدخل يمس حرية الرأي أو يقلص مساحة الإبداع.

النشر ليس مهنة الدولة. فالنشر لا ينتهي عند طبع الكتب، بل هو عمل متواصل ويومي من أجل منح الحياة للعمل المنشور. أما الدولة فستقتله، إما عبر نسيانه في مكاتب الوزارات أو مستودعاتها، وإما عبر مقايضة النشر بحرية الكتابة.

كاتب مغربي

17