"النصر أو الموت".. شعار الإخوان المسلمين في الواقع المصري الجديد

السبت 2013/11/09
"العنف" شعار المرحلة القادمة من الخطة الإخوانية لاستعادة الشرعية الوهمية

القاهرة ـ تغيرت المعطيات السياسية في المشهد السياسي المصري لنشهد على تحول المسار لتنظيم الإخوان المسلمين من جماعة حاكمة إلى جماعة متشتتة ومحظورة من جديد.

مرت جماعة الإخوان المسلمين بمنعطفين مهمين في تاريخها أسسا في مرحلة أولى لصعود هذا التنظيم عاليا مع وصول الرئيس الإسلامي محمد مرسي إلى الحكم، الذي لم يدم سنة، قبل أن يهوي دفعة واحدة مع عزل الجيش المصري له، بعد الرفض الشعبي لبقائه رئيسا والذي عبر عنه ملايين المصريين في التظاهرات التي خرجوا فيها في 30 يونيو.

ورغم عريضة الاتهامات الطويلة بحق الرئيس المعزول محمد مرسي الذي بدأت إجراءات محاكمته و14 آخرين من جماعة الإخوان المسلمين في قضية قتل متظاهري الاتحادية، فإن مراقبين مصريين أكدوا أن دخوله إلى قفص الاتهام يعد عاملاً جديداً على تأكيد إنهاء شرعيته كرئيس للبلاد، وترسيخا لثورة 30 يونيو، وأوضح الخبراء أن مرسي لو رجع بالذاكرة إلى الوراء قليلاً لتذكر أن جماعته تصرفت بطرق وأفعال مزدوجة أدت إلى زواله من السلطة بسرعة خلال عام واحد فقط من اعتلائه المنصب الرئاسي وبدعم شعبي واسع النطاق في هذا التحرك، وحالياً لا يمكن للإخوان تغيير جزء من الواقع الذي يعيشه المصريون.


واقع جديد للإخوان


لم يعد للجماعة منفذ آخر بعد انهيار تنظيمهم غير مواجهة واقعهم الجديد بالعنف، الذي تمثل في محاربتهم للجيش والشرطة، اللذين كان دورهما مواجهة عنف الإخوان الظاهر والذي امتد إلى جميع محافظات البلاد، واستخدمت الجماعات المتطرفة كل الوسائل لترويع مكونات الشعب المصري بما فيها المسيحيون الذين تعرضوا لخطر هدد التعايش السلمي الآمن الذي كانوا ينعمون به.

بعد سنة واحدة من دخول مرسي القصر الجمهوري لرئاسة البلاد وتوليه مرتفعات قيادة الدولة، فجأة وجد نفسه مرة أخرى في زنازين السجن

هذا ما استخلصه صموئيل تادرس المحلل السياسي بمعهد هدسون للحرية الدينية الذي قال: «إن الإخوان ليس لديهم شعار أو هدف بعد سقوط مرسي من الحكم سوى «النصر أو الموت»، رغم أن معظم قادة الإخوان مازال هاربا داخل الخنادق خوفاً من الملاحقات الأمنية وهروباً من الواقع السياسي المصري الجديد، إلا أن الجماعة قادرة على تحريك التظاهرات في الشارع بنوع من العنف والفوضى انتقاماً لاعتقال مرسي وقادتها ومحاكماتهم على قتل المتظاهرين، موضحاً أن الاتجاهات الحالية في فكر الإخوان هي محاربة ثورة 30 يونيو وتشويه مبادئها وإفشال مساعي الحكومة الانتقالية المؤقتة في إدارة شؤون البلاد والمتاجرة بدماء ضحاياهم في التظاهرات كلما أمكن ذلك وبأقصى درجة، حتى يظهروا للعالم أن ما حدث هو «انقلاب دموي على الشرعية».

ورغم أن دخول مرسي قفص المحاكمة يعد دليلاً جديداً على إنهاء شرعيته كرئيس للبلاد، إلا أنه مازال يتشدق بأنه الرئيس الشرعي للبلاد حسب ما تفوّه به داخل قفص المحاكمة، وأضاف تادرس «لو تخلص مرسي قليلاً من الضغط النفسي الواقع عليه من الجماعة، لأدرك الأخطاء التي قام بها إبان رئاسته للدولة، ولتوصل إلى نتيجة واحدة مفادها أن جماعته أحد أسباب سقوطه من الحكم والإطاحة به من السلطة، لكن تظل دائرة المؤامرة وعدم مواجهة أخطاء النفس عاملين سلبيين في الفكر الإخواني أو الإسلامي بشكل عام.


تصرفات عبثية


لم تكن أجندات الإخوان المسلمين مخفية على مستوى رغبتها في إقامة خلافة إسلامية وأسلمة الدولة المصرية بعد التغيير الذي أحدثه مرسي في الدستور والذي أثار سخط الشارع المصري بشكل كبير، حيث ذاق ذرعا بتصرفات اعتبرت ضد مصالحهم ولا تناسب جميع شرائح الشعب المصري، لتتوالى الأحداث، ويجد مرسي نفسه في السجن على إثر انتفاضة شعبية كبيرة ضده.

في هذا الصدد وصف كمال الهلباوي المتحدث السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين بأن تصرفات مرسي أثناء محاكماته كانت عبثية، لكنها كانت دليلا على إصرار رئيس الدولة المعزول على عدم احترامه للقضاء، وبالتالي كان من الخطأ جداً الإبقاء على هذا الرجل كرئيس للدولة أكثر من عام بعد أن سعى إلى هدم هذا الحصن لإرضاء جماعة الإخوان المسلمين، متسائلاً: لماذا أنشأ الإخوان حزباً سياسياً وترأسه محمد مرسي قبل أن يصبح رئيساً للدولة؟ الإجابة ببساطة لتفهم مبادئ العمل السياسي واحترام مؤسسات الدولة، لكن رغم هذا لم تظهر أية علامة على تغير في الفكر أو الحالة.

ولذلك قد يؤسس الإخوان حزبا أو جمعية والعديد من الوسائل الأخرى لأداء بعض المهام الثانوية، إلا أن الجماعة تظل على عقيدتها بأنها تحمل صك الإسلام وتتحدث بلسان القرآن، وأن الحياة كلها للأمة على أساس مرجعية إسلامية أو على أساس المنهج الإسلامي، لكن كل هذا يظل وفق الرؤية الإخوانية لتحقيق حلم الخلافة الإسلامية.

ولفت الهلباوي إلى أن عقيدة الجماعة لا تقتصر على السياسة أو المنافسة مع القوى الأخرى، بل هي أوسع من ذلك بكثير، حيث تعدى نطاق الإخوان الحياة نفسها، وسعوا إلى أسلمة العالم الإسلامي في كل مكان، وهم يعملون على استعادة الإسلام في حياة الناس وفق ما ترسخ في عقولهم، وأنهم يعتقدون بأن هذا لن يأتي إلا عن طريق جماعة قوية، لذلك شاهدنا كثيراً شيوخ الجماعة يكفّرون الناس ويطالبون بقتل من يخرج على الرئيس مرسي وقت رئاسته للدولة وغيرها من الأفكار الشاذة التي زادت من السخط الشعبي عليهم.

في حين أوضح ثروت الخرباوي القيادي المنشق عن جماعة الإخوان المسلمين، أن الجماعة بعد ثورة يناير أقنعت نفسها والكثير من القوى الغربية أنها تغيرت في الفكر والمنهج السياسي، وأنهم أصبحوا منظمة معتدلة وسوف يمارسون السياسة الحديثة على الواقع بدلاً من العمل السري، وحجتهم أيضاً كانت تنطوي على تغيير السلوك والمشاركة في العملية الديمقراطية لبناء الوطن، نظراً إلى أن البلاد وقتها كانت تعاني من انهيار الحكم والاقتصاد، لكن المعتقد أن الإخوان فشلوا في تطبيق أي من هذه المبادئ التي صدّروها إلى الغرب، كونهم جماعة تفضي إلى نظريات المؤامرة والعمل داخل الغرف المغلقة.

لم يعد للجماعة منفذ آخر بعد انهيار تنظيمهم

وأكداً أن قادة الإخوان يلتزمون بشدة بالرتب والهيكل الداخلي للتنظيم. فمثلاً لا يستطيع رئيس أسرة (الأسرة داخل الجماعة أصغر خلية في تنظيم الإخوان، وكل أسرة تتكون من عدد من الأفراد يصل عددهم إلى ما بين 6 و8 أفراد)، أن يتعدى رئيس الشعبة (الشعبة تنقسم إلى عدة أسر).

وهكذا مروراً إلى القيادات على مستوى المحافظة ثم على هيئة مكتب الإرشاد، ولذلك فإن حدود الابتكار غير موجودة وإن وجدت لا يمكن تخطيها، كما أن فرض السمع والطاعة يقلل التفكير، والتمسك بالانضباط وهياكل جامدة يدمر إمكانية التأمل والتطور الذاتي، والتمسك بمبادئ قديمة يعيق إمكانية الإصلاح.

ولذلك عندما قرر عبد المنعم أبو الفتوح، القيادي الإخواني السابق الترشح لرئاسة الجمهورية، كان هناك عصيان ورفض داخل مجلس الإرشاد على هذا القرار، وقرروا فصله نهائياً ليس لمجرد اتخاذه القرار بالترشح وإنما لرؤيتهم أنها خيانة وانتهاك لعهده مع الله والبيعة مع المرشد، ونفس الأمر ينطبق على مرسي أثناء محاكمته، الذي رفض محاكمته لأن جماعته ترفض اتخاذ هذا الإجراء.

كان حلم الاخوان بالظفر بفترة مطولة في الحكم أقصر بكثير من المتوقع، فبعد سنة واحدة من دخول مرسي القصر الجمهوري لرئاسة البلاد وتوليه مرتفعات قيادة الدولة، فجأة يجد نفسه مرة أخرى في زنازين السجن بعد عام واحد فقط في الحكم، ورغم عزل السلطات المؤقتة لمرسي يوم 3 يوليو وما تلاه من الزج بعناصر إخوانية في السجون، وإغلاق القنوات الإسلامية، إلا أن الغالبية العظمى من السكان باركت هذه الاعمال واعتبرتها انتصارا لها بعد فترة حكم مظلمة .

وهو ما أكده عبد الرحيم علي الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية الذي اعتبر أن الإخوان فقدوا رصيدهم الشعبي عند المصريين، ونفس الأمر ينطبق تماماً على محاكمة مرسي حيث لم يتعاطف معه المصريون، بل استهجن الجميع تصرفاته داخل المحاكمة وأقواله المغلوطة بحق القضاء وتشدقه بالشرعية الزائفة كونه مازال رئيسا للجمهورية داخل عقله وعقل الإخوان ومؤيديه فقط، موضحاً أن التطورات اليومية من المناوشات بين السلطة والإخوان تفسح المجال لاعتبارات طويلة الأجل من العنف والفوضى المتوقعة.

في هذا السياق يقول مراقبون إن تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية خلال العام الذي تولى فيه الإخوان إدارة البلاد ساعد في استمرار هجماتهم المسلحة والإرهاب ضد الجيش والشرطة لثنيهم عن ملاحقاتهم أمنيا وقضائيا، وممارسة المزيد من الضغوط على الشعب لإجبار المؤسسات الأمنية والقضائية على الكف عن مواجهتهم.

معظم قادة الإخوان مازال هاربا داخل الخنادق خوفاً من الملاحقات الأمنية وهروباً من الواقع السياسي المصري الجديد

ويعتقد علي أنه يجب على الجماعة أن تنظر بموضوعية إلى الوراء لتقييم سنة واحدة في السلطة وبدء عملية التأمل الذاتي، ومحاولة العثور على إجابات للأسئلة الأساسية، ما الأخطاء التي فعلناها؟ وكيف يمكن أن نصل إلى السلطة مرة أخرى مع الحفاظ عليها؟، وهذا لن يتحقق إلا إذا تحرر الإخوان من طرقهم الفكرية البالية، والتخلي عن هيكل الجماعة التنظيمي، والانفتاح على المجتمع بخطاب سياسي معتدل، ووضع خطط للعودة إلى الحكم بطريقة واقعية وليس محاربة الشعب، ومن هنا على قيادات الصف الثاني أن يرتفعوا إلى صفوف القيادة العلنية وليس السرية، مع القدرة على التقاط أخطاء قيادات الجماعة المعتقلين حالياً والتبرؤ من أفعالهم نهائياً وفتح علاقات تشابكية جديدة بشكل أوسع مع المجتمع لتجاوز الماضي.


تغيير رؤى


يجمع المحللون على أن نجاح الحكومة المصرية المدعومة من الجيش في معركتها الحالية مع «الجماعة» هو أمر محسوم ، حيث تمتلك هذه الحكومة قوة كبيرة جداً وتتمتع بدعم شعبي أكبر وأقوى من جماعة «الإخوان». وعلاوة على ذلك، أن مظاهرات «الإخوان» المستمرة والفوضوية التي تطالب بإعادة مرسي إلى منصبه لم تحقق سوى مصلحة الحكومة، حيث أنه في الوقت الذي تم فيه تفريق الاحتجاجات بقوة نال ذلك استحسان العديد من المصريين. وفي ضوء اعتقال وهروب جميع قادتها وحظر أنشطتها من قبل محكمة مصرية، فإن تنظيم «الإخوان» بات فعلا على وشك الانهيار.

(بالتعاون مع وكالة الصحافة العربية)

7