النصوص كائنات لعوب

الاثنين 2013/08/26

النصّ كائن حيّ لا يموت، يُحبّ مَن يحبّ من القرّاء، ويكره منهم مَن يشاء، وقد يتوافق معهم حينا، بل ويهادنهم، في تأليف معنى ما، وقد يختلف معهم في تفكيك معنى آخر أحيانا كثيرة. ولكنه يظل خلال ذلك كائنا سياسيا بامتياز: فتراه يتحرّك في الزمن وفي الأرض وفق استراتيجيات هي منه سرُّ ديمومته: يُناور ويحاور معا، ويكرّ ويفرّ في الآن ذاته، ومتى نشطت فيه دلالة وحان قطافها، مشى في أسواق التأويل بيقظة، حذِرًا في خطاه، فلا يترك أثرا يدلّ عليه ويجعله عرضة لقانون الفهم العامّ.

النصّ، أيّ نص، يحبّ أن يأكل ممّا نأكل: الخبز أو النسيان، ويفضّل أن يشربُ ممّا نشرب: الشاي أو الصّبر، وأحيانًا يرغب في أن يقف ببهو محطّة خالية من حرّاس الأخلاق، حليقَ الذَّقْنِ، متعطِّرًا، ينتظرُ قدومَ فكرةٍ جميلةٍ تنزِلُ بدلال من إحدى العرباتِ وهي تمضغُ الوقتَ مثلَ الشُّوِينْغُوم (العلكة).

فيبتسم لها بلا مشقّة، ويأخذها من يدها ويرحل صوب جهات من التأويل لا يعلمها أصحاب الهرمينوطيقا من أفلاطون إلى هابرماس وبول ريكور وأتباعهما.

والنصّ مع هذا، كائن وديع كأحلام صبايا البلقان، يبتسم بلا مشقّة لكلّ قارئ مُعافى من أمراض المناهج، ويفتح له أزرار معانيه، ويهمس له بما لم يفكّر فيه كاتبه أصلا، بل ويعترف أمامه بمَواطن قوّته ولحظات هشاشته اللغويّة، وتكفيه منه لمسة حنون حتى يتجلّى بالصّامت من أحلامه، تلك التي لم يجرؤ على تدوينها الكاتبُ.

والجميل في كلّ نصّ أنه، في أوقات صفائه، لا يعرِفُ المُجاملةَ والرياء رغمَ ما ترك لنا أسلافنا من فنون الاستعارة والبديع الذي قال عنه الجاحظ "والبديع مقصور على العرب ، ومن أجله فاقت لغتهم كلّ لغة، وأربت على كلّ لسان"، ويعرِفُ أنْ ليس له صديق في السِرِّ ولا عدوٌّ في العلانيّةِ.

النص وفيّ للصدق، يقولُ الأشياءَ كما يراها مهما عَظُمَ شأنُها أو قلَّ، ويصنعُ المعنى كما يتوجّبُ أن يكونَ راقِيًا وبَهيًّا ومفاجئا.

ومن فضائل النصوص أنها لا تَخونُ. هي تعرِفُ توصيفَ الخياناتِ، ولكنّها تنأى بروحِها عن فعلِها، بل هي تكرَه مَنْ يخونها ويقرؤُها بالمقلوبِ.

ولكنّ النُّصوصَ كائناتٌ لعوبٌ: يستسهِلُها القارئُ فتنطاع إلى مشيئتِه حتّى إذا تعلّقَ بها جَرْجَرَتْه إلى أعماقِ معانيها فيتورَّط ورطَتَه الكُبْرى ولا يجد من مهرَبٍ منها سوى القولِ عنها بما ليسَ فيها أو تحميلِها انكساراتِه الحياتيّةَ وكأنّها هي المسؤولةُ عن هزائمِه اليومية المُرّةِ.

وفي النُّصوصِ، تنكَشِفُ حِيَلُ اللُّصوصِ، وفيها شفاءٌ للناسِ من صمتِهم، وفيها الأغاني التي يهتزُّ لها الطينُ طَرَبًا أو هَذَيانًا. وفي النُّصوصِ أيضًا يحيا الميِّتونَ من الأحياءِ، تحيا فيهم شهوةُ قتلِ الآخرينَ وإلباسِهم لَبوسًا موهومًا لا يُوجَدُ إلاّ في أدْمِغَةِ أمعائِهم الغليظةِ. الميِّتونَ من الأحياءِ يموتونَ من صِدْقِ النُّصوصِ وقُدرتِها على كشفِ زيفِهم أمامَ أرواحِهم الرَثّةِ دون منحِهم وقتًا للتجمُّلِ الزائف.

والنُّصوصُ كائناتٌ تُمجِّدُ الحقيقةَ مهما كان لونُها ومهما كان مأتاها ومهما كان حجمُ الشكِّ فيها. وتكرَه القِراءةَ الغبيّةَ وتمقُتُ أغبياءَ القرّاء. النُّصوصُ منحوتاتُ اللهِ ومُعجزةُ الأنبياء. وهي مُعْجزةُ الإنسانِ على أرضِ نسمّيها الكتابة.

14