النص الأدبي لا يعيش إلا إذا تمّ تأويله

الثابت أن النص لا يعيش إلا إذا تمّ تأويله، وأن هذا التأويل قد يصدر عن قارئ غير متخصص، ولكنه متمرّس بالقراءة، وقد يأتي من متخصص في الهرمينوطيقا، التي كانت حكرا على التيولوجيا.
الخميس 2020/02/06
القارئ يحدد الوجهة (لوحة للفنان سيروان باران)

إن تدوين الشفوي، وانتقاله من كلام ملفوظ إلى صيغة مكتوبة، لا يتمّ بشكل محايد، لأنه يغير الخطاب ويسلب منه الحياة في وجه من الوجوه، ذلك أن العبارات الشفوية ينطق بها شخصٌ ما، في مكان معيّن، وفي مناسبة محدّدة، ويتوجه بها إلى من يسمعونه، أي أنه “حدثٌ”. في حين أن كتابة تلك العبارات تعني بثَّ نصٍّ بلا وجه ولا صوت يحمل الكلام وما يرافقه من نبرات تختلف باختلاف ظرفها، كالغضب أو التأثر، والاستنكار أو التعجّب، فتغدو الكتابة حينئذ أثرا منفصلا عن مؤلف لا نعرف عنه سوى الاِسم، يمكن تأويله تأويلات عديدة، نظرا لغياب صاحبه الذي كان يمكن أن يضيف إليه ما يعين على الفهم.

بيد أن برودة النص المكتوب ليست سلبية كلّها، فقد يكسبها الانفصال عن الظرف قوّتها، لسببين اثنين: أوّلهما أن المكتوب يحافظ على الخطاب ويجعل منه أرشيفا يمكن الرجوع إليه. وثانيهما أنّ علاقة القارئ بالمؤلف تتغير عندما يغدو الكلام نصّا. أي أن علاقة الخطاب الشفوي بما يشير إليه، وما يتحدث عنه، يمكن أن تكتمل بإشارة بالإصبع، أو بتقديم شيء محسوس، أو تجسيد لواقع الحال بشكل من الأشكال، بينما يتعذر ذلك على المكتوب، فالنص المدوّن يُرغم القارئ دائما على تخيّل ما يُعرَض عليه، دونما سند، غير اللغة. ما يعني أن للنص منطقًا خاصًّا يتجاوز وظيفته كأثر، وأن الخطاب الشفوي الذي يتحول إلى نصّ مكتوب مدعوّ إلى الأخذ بعين الاعتبار وضعيتَه الجديدة، كأن يضيف شروحا وعلامات.

تلك العلاقة ينكرها الكتّاب في عمومهم، فكثيرا ما نقرأ في حوارات بعضهم أنهم يكتبون لأنفسهم، والحال أن الواقع يثبت غير ذلك، فالنص في جوهره يقترح إقامةَ علاقة، ولا يكتسي معناه إلا بما يثيره في القارئ. وأيا ما تكن أشكال النص المكتوب، فإنه لا يعيش إلا إذا تمّ تناوله وتأويله، وإلا فهو مجرد أصواتٍ تَقرع الأسماع، أو مدادٍ أسودَ على ورق أبيض. ذلك أن القارئ هو الذي يكمّل النص، بجعلِه متناغمًا مع تجربته الخاصّة، متنزّلا في واقعه، متماهيًا مع معانٍ شخصيةٍ يضفيها عليه، لأن القارئ، إذا ما تملّك النص، شرع في فهم ذاته فهمًا أحسن، بفضل خطاب مدوّن، قد يكون قادمًا من زمن بعيد أو من مسافةٍ قَصيّة. أي أن القارئ ينطلق من تجربته الخاصّة ليضفي معنى على ما يقرأ.

القراء ليسوا متساوين في الفهم والتأويل، فحكايات كليلة ودمنة مثلا لا يفهمها القارئ العادي كما يفهمها الدارس

غير أن القراء ليسوا متساوين في الفهم والتأويل، فحكايات كليلة ودمنة مثلا لا يفهمها القارئ العادي كما يفهمها الدارس المتخصص. ولذلك صنّف بول ريكور القراء إلى فئتين: القارئ العادي، والقارئ العالم. الأول يكتفي بقراءة النص قراءة تقوم على فهم ذاتي، يخضع للانفعال والتأثر أكثر مما يخضع للتحليل والتأويل. أما الثاني فيجعل من تحليل النص مبدأ أساسيّا لفهم كلِّ عناصره ومدى تكاملها وتضافرها، ثم تأويلها. ويتوسّل لبلوغ غايته بمسعيين: يتمثل الأول في ولوج أعماق النص لوصف بُناه النحوية، وحركات السرد الكبرى، والاستدلال والإثبات، فيستخرج الوحدات الدلالية التي تكوّنه كما فعلت البنيوية مع السرديات الفولكلورية، أو الأنثروبولوجيا مع السرديات الأسطورية. وهو مسعى تفسيري بالأساس، يتسم بالموضوعية والتوصيف والمباعدة. أما المسعى الثاني فهو تأويلي يضفي على النص معنى، قد لا يُدرَك لأول وهلة. أي أن العملية هي نفسها ذاتية، وإن تحلّت بالمنهجية.

ويعترض ريكور على هذه المقارنة بين القراءة الموضوعية والقراءة الذاتية، لأن ذلك يعني بالنسبة إليه اعتمادَ منطقٍ يرى أن المسعى التوصيفي الشكلي القريب من منهجيات العلوم التجريبية هو الحلّ الوحيد لجعل المقاربة علمية، وإلا وجب تبني فكرة فيلهلم ديلتي القائمة على التمييز بين الشرح والفهم.

والمعروف أن عالم الاجتماع الألماني كان بيّن أن الواقع يحتوي على مجالين: الطبيعة والتجارب الإنسانية، حيث عالمُ العلوم التجريبية “يشرح”، والمؤرّخ “يفهم” أو يؤوّل. فالعلم التجريبي يلاحظ الظواهر، بينما العلم الإنساني يشتغل على نصوص ووثائق لا يمكن أن يكون تأويلها علميّا مثل تجربة، لأنه يعمل حسب قواعد تختلف عن قواعد علوم أخرى. فإما أن التأويل ليس علميا لأنه لا يحترم القوانين العلمية التي تقوم عليها العلوم التجريبية، وإما أنه علميّ، ولكن بقواعد غير القواعد المعتادة.

وفي رأي ريكور إن المقترحين خاطئان، فالمقاربة الشكلية والمقاربة التأويلية ليستا حصريتين بالضرورة، حتى وإن كان الباحثون الذين يحللون النصوص يتخصصون غالبا في هذه المقاربة أو تلك. والرأي عنده أن تمارس المقاربتان تباعا، لأن تحليل البنية يبرز علاقات النص الداخلية، بينما يُدخل التأويل القارئ في طريق المعنى الذي يفتحه النص. وفي رأيه أن من الضروري الوقوف من النص على مسافة، ولكن لا أحد يمكن أن ينكر أنّ له معنى، وأن ذلك المعنى لا بدّ من الإعراب عنه. وبما أن النص منذور للتأويل والتعليق بالضرورة، فمن المستحسن إدماج وجهَيْ تحليل النص هذين.

وأيّا ما تكن المقاربة، فالثابت أن النص لا يعيش إلا إذا تمّ تأويله، وأن هذا التأويل قد يصدر عن قارئ غير متخصص، ولكنه متمرّس بالقراءة، وقد يأتي من متخصص في الهرمينوطيقا، التي كانت حكرا على التيولوجيا تحلل النصوص التوراتية بحثا عن حقيقتها، وصارت اليوم تستعمل في تأويل كل النصوص المدوّنة، بلا استثناء. وعلى قدر ثراء النص وعمقه، تتولّد التأويلات وتتنوّع.

15