النص الأقصوصي العربي في ميزان النقد الحديث

الثلاثاء 2014/07/08
البشير الوسلاتي: الأقصوصة جنس كتابي له خصائصه الفنية الكونية

تونس - أصدر الباحث التونسي البشير الوسلاتي، وهو أستاذ بكلية الآداب بالقيروان، كتابا جديدا يحمل عنوان “النصّ الأقصوصي وقضايا التّأويل”، عن دار “صامد للنشر” سنة 2014. يضمّ الكتاب فصولا خمسة، فضلا عن كونها تتّـفق في السعي إلى استقراء ضرب من السرد المقتضب، فإنّها تُعنى جميعها بمسألة شاملة تندرج في سياق عامّ هو السياق التأويلي المعنيّ بتفكيك النصوص. وهو سياق لا يفتأ يتجدّد من قارئ إلى سواه ممّا يجعل النصّ متّسما بالانفتاح الدائم.

تكمن الإشكاليّة الأساسيّة التي حرص الباحث على استجلائها في تدبّر هذا النوع من السرد الوجيز وتأويله في النظر إليه من زاويتين كبريين تتراوحان بين النظريّة والإجراء المنهجيّ التحليليّ. ففي الفصل الأوّل المعنون بـ”مظاهر التمايز بين مقاربة النصّ الأقصوصيّ والنصّ الروائيّ” انطلق الباحث من مقارنة عامّة بين الأقصوصة والرواية غايتها الوقوف على ما تتميّز به مقاربة النصّ الأقصوصيّ عن نظيره الروائيّ، سواء من حيث المصطلحات النقديّة المستعملة أو المنهج المعتمد.

وموجب هذا التميّز معزوّ عموما إلى كون الأقصوصة جنسا أدبيّا مستـقلا بذاته يضمّ مقوّماته الفنيّة المخصوصة والمتعلّقة به.

وأمّا الفصل الثاني الموسوم بـ”في الخطاب الأقصوصيّ المقارن بين غي دي موبسان ويوسف إدريس”، فهو محاولة من الباحث لإبراز الخصائص الفنيّة الأقصوصيّة الكونيّة التي يتوسّل بها كتّابها على الرّغم من التباعد الجغرافيّ واختلاف الانتماء إلى الآداب واللغات والحضارات. لذلك يرد هذا الفصل ليدعم تميّز هذا النوع من السرد عن الأنواع السرديّة الأخرى، وليكشف طرائق توظيف هذه الخصائص وبثّها داخل النصّ.

التكثيف خاصية جديرة بالدرس من شأنها أن تعمق زاوية محددة من زوايا تدبر النص الأقصوصي


خاصية التكثيف


وفي نسق من التدرّج من العامّ إلى الخاصّ، يتنزّل الفصل الثالث “التكثيف خاصيّة أقصوصيّة”، إذ أمعن البشير الوسلاتي النظر في هذه الظاهرة الفنيّة التي أثبت جلّ النقّاد مكانتها الأدبيّة ودورها الجليّ في تشكيل أبعاد النصّ الجماليّة. واعتبر، على هذا الأساس، التكثيف خاصيّة جديرة بالدرس من شأنها أن تعمّق زاوية محدّدة من زوايا تدبّر النصّ الأقصوصيّ.

وعلى الرّغم من أنّ الفصلين الأخيرين منخرطان في صميم المقاربة الإجرائيّة، فإنّهما سيكونان مقيّدين بصرامة المنهج، ذلك أنّ تناول الباحث أقصوصة البشير خريّف “النقرة مسدودة” من مجموعته “مشموم الفل” رهن زوايا نظر ثلاث استقاها من تعريف الأقصوصة النظريّ في مهده الغربيّ، وتتمثّل هذه الزوايا المخصوصة في الحجم أو نظام التوسّع، ومحاكاة الواقع أو الإيهام المرجعيّ، وحياد الراوي.

وأمّا أقصوصة علي الدوعاجي “سهرت منه الليالي..”، فتحليلها كان خاضعا بدوره لمقتضيات الجنس الأدبيّ وجهازه النظريّ ومنظومته المعجميّة، وهو مسلك يرتدّ بالباحث إلى التصوّر الأجناسيّ العامّ الذي افتتح به هذا المؤلَّف.


الأسس الجمالية


وقد أمكن للوسلاتي في مختلف مراحل البحث على امتداد الفصول السابقة أن يقف على جملة معتبرة من المقوّمات الفنيّة التي يرتكز عليها النصّ الأقصوصيّ، ولمس هذا المعطى الأجناسيّ المهمّ سواء في النظريّة أو في التطبيق. وإذا كان، مثلما قيل “بضدّها تتميّز الأشياء”، فإنّ مسلك المقارنة والمقايسة المنتهج في الفصلين الأوّلين أساسا يعدّ من السبل المتاحة أيضا من أجل تدبّر النصّ الأقصوصيّ ووضعه في الميزان النقديّ وتجلية مواصفاته وأسسه الجماليّة المشكّلة لنسيجه الداخليّ.

الأقصوصة جنس سردي متعنت ومقاربته صعبة

وهي أسس خوّلت له أن يستقلّ بذاته جنسا أدبيّا مخصوصا خاضعا لمنطق التطوّر والتجريب وحركة الإنشاء المتحوّلة والمتحاورة مع مختلف الأنماط الخطابيّة الأخرى. وإنّ ما استند إليه الباحث من عيّنات أقصوصيّة محليّة وعالميّة، أتاح له مساءلة النصّ عن كثب واستقراء تركيبه الخاصّ ودقائقه البنائيّة المجسّدة لهذا الضرب من الكتابة الوجيزة المتمنّعة.

فإذا النتائج التي رصدها الوسلاتي تؤكّد عنت هذا النوع من القصّ وصعوبة تأتّيه، مثلما تثبت أيضا وجوب اعتماد جهاز نظريّ تأويليّ مستمدّ من خصائص النصّ الأقصوصيّ وفنيّاته المختلفة عن فنيّات الرواية والمسرحيّة والقصيدة وغيرها.

وقد تأكّدت للباحث هذه النتيجة ذات البعد المنهجيّ والقائمة على التوسّل بمفردات معجميّة مستقاة من سجلّ الأقصوصة النظريّ مثل البداية السريعة غير المتراخية، والنهاية المفاجئة المباغتة، ووحدة الانطباع والأثر، والإيحاء، والتكثيف، والاقتصاد، والاقتضاب، والتركيز، والوصف البرقيّ الموظّف، وغير ذلك ممّا يكوّن منظومة منهجيّة قرائيّة خاصّة بهذا الضرب من السرد الوجيز.

والذي طمح إليه الوسلاتي لا يخرج عن نطاق الاشتراك في إنتاج جزء معرفيّ يتعلّق بالنصّ الأقصوصيّ، لا سيما أنّ عمله تضمّن التفاتة إلى ثلاثة نماذج من القصّ التونسيّ، وقد بلغت من الجودة الفنيّة والمكانة الأدبيّة ما يخوّل لها الانعتاق من بوتقة المحليّ لتلامس الانتشار الكونيّ وذيوع الصيت، على غرار ما لقيه أدب يوسف إدريس. والحافز على هذا المطمح كامن في مفهوم التأويل ذاته، وقد سبقت الإشارة إليه حينما ذكر الباحث أنّه لا يخرج عن مجال الإسهام والمشاركة في الرصيد المعرفي الذي ينتجه كلّ قارئ.

14