النص الجديد ثمرة النصوص السابقة

التناص في الأدب مصطلح نقدي يقصد به وجود تشابه بين نص وآخر أو بين عدة نصوص، ويقال في موضع آخر تناص القوم أي ازدحموا. أما كمفهوم، فهو تداخل نصوص أدبية مختارة قديمة أو حديثة شعرا أو نثرا مع نص القصيدة الأصلي، بحيث تكون منسجمة وموظفة ودالة قدر الإمكان على الفكرة التي يطرحها الشاعر.
الثلاثاء 2015/05/19
بداية البحث حول التناص كانت مع جوليا كريستيفا سنة 1966

كانت بداية البحث حول التناص مع جوليا كريستيفا عام 1966 لدى دراستها لكتابات ميخائيل باختين عن الروائي الروسي “دوستويفسكي” الذي لم يذكر مصطلح التناص كنمط لدراساته ولكنه اكتفى “بتعددية الأصوات”. فالتناص عند كريستيفا هو أحد مميزات النص الأساسية، التي تحيل على النصوص الأخرى السابقة عنها والمعاصرة لها، ويظهر بشكل مباشر مع التحليلات التحويلية في النص الروائي عندها.

إلا أن مصطلح التناص مأخوذ في جوهره من المصطلح الفرنسي intertext وهي كلمة مقطعية، المقطع الأول inter تعني بالفرنسية التبادل، بينما كلمة texte تعني النص، وأصل الكلمة كلها مشتق من الفعل اللاتيني textere أي التبادل النصي، وقد ترجم إلى العربية بالتناص أي تعالق النصوص ببعضها البعض، وعليه فقد تبين لنا أن مساحات التناص في تاريخنا الشعري قد شهد الكثير من التناص والتداخل في كثير من القصائد، لدرجة أنه لمعرفة النص الأصلي من المتناص معه كان لا بدّ من إخضاع النصوص إلى التشريح السيميولوجي، والنص الجديد يكون عبارة عن تداخلات نصية سابقة، والشرط فيها وجوب الاختلاف وإلا أصبح تكرارا وإعادة، كتشكيل نص جديد من مجمل النصوص السابقة، ويكون خلاصة لها بالتماهي في ما بينها بحيث لا يبقى لها إلا الأثر.

التناص ليس التداخل مع النصوص القديمة فقط، بل يتضمن مفاهيم قادرة على استيعاب النصوص الجديدة

فالكاتب باعتماد التناص لايكتب جديدا، وإن ظن أنه يبدع لأنه يغترف من المشترك العام للغة والأفكار، فالنص لدى بلوغه حالة الاندماج مع المتناص، فإنّ النص المدمج بالنص الجديد ينفصل نوعا ما عن أصوله ليتماهى مع أصول النص الجديد، ويبدأ بالتحلي بصفات وملامح أخرى مستمدة من منظومة النص اللاحق. فالنص كما يصفه علماء التناص، إنما هو ثمرة لملايين النصوص المختزنة في الذاكرة الإنسانية.

يعرف بارت النص أنه نسيج من الاقتباسات والإحالات والأصداء من اللغات الثقافية السابقة أو المعاصرة التي تخترقه بكامله، وفي مكمن آخر التناص هو تفاعل أنظمة أسلوبية من حيث التلميح والإيماء المتعلق بالموضوع، فهو من أهم الأساليب النقدية المعاصرة في الشعر، كمفهوم سيميائي يســاهم في تــفكيك بنــية النصوص. كريستينا وفق مفهوم التناص الذي صاغته، ترى أن النص بُني على طبقات، وتتكون طبيعته التركيبية من النصوص المتزامنة معه والسابقة له بما يسمى التناص الذي يحيلنا إلى لغة النقد المعاصر. بحيث يمكننا الحكم أن التناص هو قانون للنصوص جميعا، وذلك من خلال عملية التبادل الفني بين النصوص.

التناص أنواع، هناك المباشر، وهو ما يعرف بالسرقة أو الاقتباس والأخذ والاستشهاد والتضمين كعملية واعية، تقوم على امتصاص وتحويل نصوص إلى نص، قد ينسبه الأديب إلى ذاته، وفي هذا المضمار أيضا قد يعمد أديب ما إلى استحضار نصوص بلغتها التي وردت بها، كالآيات القرآنية، الحديث النبوي، الشعر والقصة، وقد عبر الأخطل بطريقته عن هذا النوع فقال: نحن الشعراء أسرق من الصاغة.

هناك أيضا التناص غير المباشر، وهو التلميح والتلويح والإيماء والمجاز والرمز، وهو عملية لاشعورية يستنتج الأديب من النص المتداخل معه أفكارا معينة يومئ بها ويرمز إليها في نصه الجديد.

لا يشترط في التناص التداخل مع النصوص القديمة فقط، بل يتضمن مضامين ومفاهيم قادرة على استيعاب النصوص الجديدة

لا يشترط في التناص التداخل مع النصوص القديمة فقط، بل يتضمن مضامين ومفاهيم قادرة على استيعاب النصوص الجديدة، المهم فيها تعالي ذاك النص الذي يظــهر من خلال علاقته بالنصوص الأخـرى.

هذا وقد اتسع مفهوم التناص ليتحول إلى ظاهرة نقدية جديرة بالدراسة والاهتمام، وقد شاعت في الأدب الغربي قبل الأدب العربي الذي وصلت إليه هذه الظاهرة مع جملة ظواهر أخرى عبر الاحتكاك الثقافي إضافة إلى التراكمات التراثية الأصلية، بالرغم من اختلاف الآراء حول بداية نشوئه، فقد قال البعض أنه غربي الأصول والبعض الآخر عاد إلى الماضي العربي، ونبش في جذور الثقافة العربية، بغية إيصال التناص إلى نسبه الحقيقي قائلا أن وصوله إلى الغرب كان عن طريق التبني وذلك عبر عناصر الاتصال (المرسل، الرسالة، المرسل إليه).

ولكن يجدر بنا القول: إن أي نص غربي أو عربي في تعدد مرجعياته وتنوعها لا يمكن أن يمتلك أبا واحدا او جذرا واحدا، لا بدّ من وجود نص أصلي ثم البناء عليه أو التقاطع معه، والأديب لايمكن أن ينفصل في تكوينه الثقافي الأدبي عن غيره،لأن الحقل المعرفي لأيّ أديب يتكون عبر التلاحم المعرفي.

وحين يتحول الخطاب الأدبي بمعناه الواسع إلى أرض خصبة، لعدد غير نهائي من النصوص، فهو يتحوّل إلى جزء من حركية الخطاب وحياته وتمظهراته، وقوة تأثيره في مجال العمل والتأثير والإنتاج والثقافة. فالتناص هو الحوار الواقع بين الكتابات المختلفة التي تقع للكاتب قبل أو أثناء كتابته شعوريا أو لاشعوريا.

15