النص اليوميّ.. نص الحياة المعاصرة

الجمعة 2016/11/11

أعاد فوز الكاتب الألماني بودوكيرشهوف بجائزة الرواية الألمانية في معرض فرانكفورت للكتاب الذي انفرط عقده مؤخرا، أعاد الأذهان إلى الجدل القائم بشأن نوعية الروايات الأوروبية تحديدا التي تحظى بالجوائز والاهتمام، وبالتالي لتحقق المبيعات الأفضل، وجاء فوز الكاتب عن روايته “استعادة الماضي” التي تتناول قصة حُبّ غريبة وغير متوقعة، لكنها مألوفة إلى حد ما، بين ناشر متقاعد وصاحبة محل قبّعات سابقة، مرّا بتجارب مختلفة في حياتهما ـخيبات، خسائر، قرارات مصيرية خاطئةـ يتعارفان في مرحلة متقدمة من العمر بالصدفة في أحد المجمعات السياحية فوق جبال الألب قبل أن يقررا القيام برحلة مفاجئة وغير مخطط لها إلى إيطاليا، وهناك يصطدمان بتفصيلات الحياة اليومية الروتينية، لكن مصادفتهما لطفلة مُشرّدة من اللاجئين يغير مسار علاقتهما ويضفي على يومياتهما المملة نوعا من الإثارة والتشويق المعبأ بالعواطف والانفعالات.

وقد استخدم الكاتب، على العكس من رواياته الضخمة السابقة، تقنية سرد بسيطة ومباشرة في رسم معالم قِصَّته بعيدا عن التعقيد. وإذا كانت الرواية الأوروبية الحديثة عموما تميل إلى البساطة في التناول واختيار الموضوعات الإنسانية العادية أو اليوميّة، فإن اعتماد مثل تلك الموضوعات يعود بالدرجة الأساس إلى بساطة الحياة الاجتماعية في أوروبا الغربية تحديدا وخلوها من المتغيرات والصراعات الدراماتيكية والمتغيرات الكبيرة، التي تكون في الغالب مادّة ثرية وغنية للأعمال الروائية، كما هو الأمر في جنوب أميركا وآسيا وأفريقيا على سبيل المثال. لكن السؤال المُلح هنا هو هل أن اعتماد مثل تلك الموضوعات اليوميّة يُعدّ مثلبة أو عامل ضعف في الرواية الأوروبية؟

الاهتمام بالموضوعات البسيطة أو النصوص اليومية يتزايد عند القراء المعاصرين نتيجة لتعقد الحياة وطغيان النمط السريع وأساليب العمل الطاحنة

في الواقع يتزايد الاهتمام بمثل تلك الموضوعات البسيطة أو النصوص اليوميّة بالنسبة للقرّاء المعاصرين، لا سيما في أوروبا، نتيجة لتعقّد الحياة وصعوبتها وطغيان النمط السريع على تفصيلاتها وانتشار أساليب العمل الطاحنة التي لا تترك فسحة للتأمل، إضافة إلى انتشار وسائل المتعة والتسلية وتزاحمها من أجل نيل اهتمام الجمهور، مثل دور السينما التي باتت تعتمد تقنيات مبهرة لضمان المزيد من الإدهاش، وقاعات العروض المسرحية والموسيقية التي باتت تمزج بين الأداء البشري والسينوغرافيا، وقنوات التلفزة التي تتدافع بالمناكب من أجل تحقيق أوسع نسب مشاهدة ممكنة، ناهيك عن الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، وهي في مجملها عوامل تجعل من المتلقي المعاصر ميالا للقصص المباشرة ذات المضامين الإنسانية الشفافة والقصيرة والأساليب البسيطة البعيدة عن التعقيد، لكن غير الساذجة أيضا.

في المحصلة مازال القارئ الأوروبي يبحث عن الجودة التي يعتقد أنّه يستحقها لقاء المال الذي يبذله من أجل الحصول عليها، سواء كانت فيلما أو عرضا موسيقيا أو مسرحيا أو رواية، وبالتالي فإن الموضوع أو النص اليومي الذي يرصد في الغالب بعض التفصيلات التي تحدث أمامنا دائما ونصادفها بشكل يوميّ ولم نعرها اهتماما يذكر بسبب انشغالنا أو لهاثنا اليوميّ المتواصل، هو نص خلَاق بالضرورة وملهم وقادر على تقديم المتعة الخالصة، أقصد في حال تم التقاط تلك التفصيلات اليومية والمباهج الصغيرة بعين لاقطة وفاحصة وذكية وتقديمها بلغة أدبية راقية بعيدة عن الإسفاف والمباشرة، وليس بالضرورة أن يكون العمل الروائي الجيد ضخما ومزحوما بالأحداث المتداخلة ويعتمد أساليب سرد معقّدة ومتعبة وإحالات غامضة ومبهمة وتقطيعات غير متراتبة قد تتعب القارئ المعاصر وتنفره.

بالتأكيد هناك الفضول وحب اكتشاف تجارب الشعوب الأخرى وأساليبها الأدبية التي ترغب شريحة واسعة من القرّاء الأوروبيين الاطلاع عليها، لكن حتَّى هذه قد لا تناسب بالضرورة مزاج هؤلاء القرّاء أو تحظى باهتمامهم ما لم تكن متوفرة على نوع من بساطة الأسلوب وتفرده، إضافة طبعا إلى موضوعاتها المحلية الحقّة.

كاتب من العراق

14