النص ليس جثة على طاولة التشريح

يتهم النقد العربي بأنه خطاب تابع، لم يستنبط مفاهيمه الخاصة، وبقي يحوم حول ترديد مصطلحات ومناهج غربية، أحيانا كما هي، مسلطا إياها على نصوص عربية ربما تختلف في سياقاتها. وهذا ما بات يحتم نقد النقد العربي بكل جرأة لتبيّن مواطن الخلل الذي بات عليه.
الأربعاء 2017/02/15
إستراتيجية التفكيك

«ثمة جملة من المتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية أدت إلى كشف النقطة المركزية المعيبة في الفكر الغربي، وهي التأكيد على الميتافيزيقا “كقوة اشتراطية”» انطلاقا من هذه الرؤية ينطلق الباحث والناقد المصري مدحت صفوت في دراسة الخطاب العربي المستند إلى استراتيجيات التفكيك في إصداره الأحدث «السلطة والمصلحة.. استراتيجيات التفكيك والخطاب العربي».

معتمدًا على أدوات تحليل الخطاب، يشتغل صفوت في مؤلفه، الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب على العلاقات بين الخطاب العربي والسلطة، بمفهومها العام السياسيّ والاجتماعيّ والأكاديميّ، مستهدفًا فضح مواطن الأيديولوجيا المستوطنة داخل الخطاب النقدي، لينتهي برسم خارطة معرفية للخطاب النقدي العربي المهتم بالدراسات التفكيكية، سواء اعتمد عليها بالفعل أو اكتفى بزعم ذلك.

ويخوض الكتاب رحلة لتتبع تعريفات الحداثة، ويقدم رصدًا ودراسة لكل تعريف بما يحمله من نقص أو اتساع، ثم ينتقل إلى “ما بعد الحداثة” ويشير مستندا إلى آراء نقاد غربيين وعرب إلى أن مبدأ العدمية الذي أرسى قواعده نيتشه كان أحد عوامل نقض الحداثة والإعلان عن مرحلة ما بعدها، وبينما كان نيتشه يهدم لمجرد الهدم كان هيدغر يقوم بعملية إعادة التركيب لبناء نسق بديل لما انتهت إليه الحداثة، لأن الغرب لم يبلغ الاكتمال المرجو من الحداثة، فكان لا بد من تجاوزها أو البناء عليها، على اختلاف النقاد، يصل صفوت بعد ذلك فى رحلته البحثية المتتابعة إلى مراحل تطور العقل الغربي إلى غاية “التفكيك” ورمزه الأصيل جاك دريدا ببحثه “البنية.. العلامة.. اللعب في خطاب العلوم الإنسانية” والذي يمثل علامة التحول عن أحلام البنيوية التي تنطوي على مركزية اللوغوس والدخول في عالم العلامة الحائمة التي لا مركز في بنيتها.

وفي دراسته للخطابات العربية التي اعتمدت على التفكيك أو زعمت ذلك، في قراءة النصوص الأدبية، توقف الباحث أمام عدد من الكتابات العربية أبرزها للسعوديّ عبدالله الغذامي والجزائري عبدالملك مرتاض والمصرية فاطمة قنديل، وغيرهم، مبينًا أن أغلب النقاد العرب أخطأوا حين فهموا أن التفكيك يعني “تفكيك النص إلى أجزائه الأولية لإعادة تركيبه من جديد”، كاشفًا بالتحليل عن ابتعاد جلّ النقد العربي عن التفكيك.

كما أوضح صفوت أن الخطاب النقديّ العربيّ اتسم بسمات عدّة، من بينها “إعادة الإنتاج”، إذ يستعير الباحث مفهوما تراثيا أو حداثيا، ويعيد صياغته مرة أخرى. ويستمر صفوت في رصد آفات الخطاب النقدي، ليصل إلى «التعميم» الذي يعدّ من مزالق البحث المنهجي في مجال الدراسات الإنسانية، حيث كان ولا يزال هدف البحث -أي بحث- هو تحديد السمات الخاصة بالموضوع المدروس، ولا يعني ذلك العمل الوصول إلى الكليات، بل الاشتغال على التفصيل الدقيق لما هو جزئي.

ويتمثل التعميم في الاشتغال على المصطلحات والمفاهيم والمقولات دون تمحيص أو تدقيق، كذلك تداول المفهوم في أطر عامة وصيغ غير محددة بالإشارات الموضوعية، والمسارات المنهجية، لما يحققه التعميم للباحث على المستوى الشخصي، من وفرة بإحساس الباحث بنرجسيته، حين يخيل إليه أنه هو المشرح والمنظر، والذي يستطيع أن يؤطر الظواهر الكلية، ويجعل من النص جثة على طاولة التشريح المسيطر عليها من قبل الباحث. فضلا عن الأسباب الأيديولوجية، التي تجعل من الخطاب يضرب في عموميته، ويأتي عائمًا فضفاضًا. في الوقت نفسه، ينتصر صفوت لخطاب فاطمة قنديل النقديّ، في أطروحتها عن جبران خليل جبران، مبينًا أنها تحايلت على استبعاد الخطاب التفكيكي من الدرس الأكاديميّ.

15