النظارة السوداء

الأربعاء 2014/10/22

“النظارة السوداء” رواية طريفة لإحسان عبدالقدوس، نقلها للسينما الراحل حسام الدين مصطفى، لكن الرواية نسيت وبقي الفيلم، وبالأحرى بقيت ماجي (نادية لطفي)، التي تحمل النظارة السوداء، كانت ماجي غامضة في الأحوال والتقلبات، وزادتها النظارة التباسا محببا.

نعرف اليوم كمتلقين للفيلم أن النظارة ذريعة لتكثيف الالتباس في المشهد المؤقت، لكنها كانت للمتلقي القديم شيئا مخاتلا ومدهشا في تكثيف الحجب، كانت النظارة السوداء هي الاستعارة الممتنعة التي لا تدركها الحركات، وتتجلى واضحة سلسة رائقة في الكلام، والأحوال.

وربما في تاريخ الدراما العربية لم تنجح معالجة سينمائية في نقل مضمون فكرة العينين الملتبستين مثلما نجحت مع “ناجي” البيضاء الرشيقة، التي تقتطع النظارات السوداء ثلث المحيا الفاتن فيها، كانت تتحدث بمراء وفي لحظة الأوج تنزع النظارة فنكتشف الوجه والموقف والعاطفة معا.

علمتنا “نادية لطفي” في هذا الفيلم شيئا أساسيا، هو أن الرواية والسيناريو والصورة الكلية الملتقطة شيء ثانوي أمام وجه ونظارة. مفاده أن الحقيقة يمكن أن تكون جزئية، أو مغبشة، في الأدب والحقيقة، وأنه يمكن أن نكون نحن وآخرين في الآن ذاته، فقط حين ننزع النظارة أو نضعها على أعيننا، ليس لأننا قد لا نرى، أو لأن الشمس تحجب الرؤية، فحسب.

ولكن لأن من ينظر إلينا قد يرانا ولا يرانا في الآن ذاته، قد يفهمنا أو قد يستعصي عليه وجودنا هنا والآن، وتلتبس عليه مواقفنا وعواطفنا، فقط لأنا نضع شيئا زجاجيا شفافا أو أسود، وأننا قد نكون غيرنا أمام الآخرين وأمام ذاتنا.

في سيرة أحمد أمين المعنونة بـ: “حياتي” ثمة لقطة فارقة في السرد، حين يكتشف تلك النقطة السوداء التي تخترق النظارة، ولما ينزعها عن عينيه ويضعها على الطاولة، تتحول النقطة إلى صفحة مظلمة، وعندما استرسل في وصف الحالة أضحى وكأنه يتحدث عن وجهين.

الأول فيهما غريب عن الثاني الذي نزعت منه النظارة، لكن المشهد اختصر عشرات الصفحات في سيرة الأفول للكاتب البصير.

استحضرت كل هذه الأشياء لأن مسألة وضع النظارات أو نزعهما لا تتعلق فقط بقدر يربك مسار عادات يومية، قد تبدأ بالنوم الذي تشتهى فيه النظارات أو الاستحمام الذي تنسى فيه. ولكن لأن الطفل الصغير الذي قد تروي له حكاية الحكيم يونان من ألف ليلة وليلة لا يمكن أن يستوعب وجود كاتب قاتل مع وجود نظارات.


كاتب من المغرب

15