النظام الانتخابي اللبناني: هل الإصلاح ممكن

السبت 2016/10/29
هل تنتهي معضلة الرئاسة في لبنان؟

كثيرا ما يتم التعبير عن السياسة اللبنانية من خلال مفهوم الديمقراطية “التوافقية”. وبينما يتفق معظم الملاحظين أيضا على أن هذا النظام كان غير مجد في احتواء عدم الاستقرار والعنف، ليس هناك تشكيك يذكر في أساسه. وتنقسم الآراء إلى صنفين: إما ينظر إلى البلد على أنه عرضة لعدم الاستقرار والصراع لأن النموذج التوافقي لا يعمل جيدا بما يكفي، وإما أن النموذج التوافقي ذاته يشكو من عيوب.

أجادل بأن النموذج التوافقي ليس، ولم يكن تاريخيا، دليلا تحليليا مناسبا لفهم السياسة اللبنانية. وهذا يعني أنه حيث يمكن أن تكون السياسة التوافقية مطمحا، لا توفر غير فائدة طفيفة جدا في تحليل وفهم ديناميات السياسة اللبنانية.

وتسلط هذه الدراسة الضوء على مسألة كيف أن الخصائص الأساسية للتوافقية غائبة في لبنان، وهي قيود مؤسساتية على اتخاذ القرار من النخب، ونظام انتخابي تناسبي، وقوانين صارمة تخص المشاركة السياسية وتحديدها، بما قد يفرز حكومة عاطلة وهياكل ائتلافات.

يمكن مشاهدة ذلك بشكل واضح جدا في النقاش حول إصلاح القانون الانتخابي. إن تحليل الجمود الذي يلف الإصلاح السياسي في لبنان الذي يمثله فشل الجهود من أجل إصلاح النظام الانتخابي، يكشف علاقة تبعية متبادلة غامضة لكنها حاسمة بين النخب السياسية والنظام الطائفي الذي يعملون فيه ويحافظ على هيمنتها.

قبول قلق بعون "رئيسا" للبنان
بيروت – تفصل أيام قليلة عن جلسة مرتقبة للبرلمان اللبناني (31 أكتوبر) تحمل الرقم 46 من المفترض أن يطرح فيها اسم العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية ليشغل الكرسي الشاغر منذ أكثر من عامين ونصف العام، وسط انقسام في الأوساط اللبنانية بين متحمس لعون، من منطلق إيمان بضرورة إنهاء الأزمة، ورافض له يرى أن وصول عون إلى قصر بعبدا سيكون فاتحة لأزمات أخرى أشد وقعا ووطأة على لبنان من أزمة الفراغ الرئاسي.

وفي حال بقيت خارطة التحالفات بين القوى السياسية، المنقسمة بين قوى الثامن من آذار (المؤيدة للنظام السوري وإيران)، وقوى الرابع عشر من آذار، على حالها، يصبح عون “نظريا”، رئيسا للبلاد. وينافس عون على المنصب النائب سليمان فرنجية، رئيس تيّار المردة.

لا تمثل السياسة اللبنانية نظاما يحافظ على التقسيم لضمان مشاركة كل المجموعات من أجل الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار والتعاون (السياسة التوافقية). هو بالأحرى نظام يضمن السلطة السياسية لمجموعة محددة من النخب التي تعمل بنشاط لاستبعاد التحديات التي تقف أمام هيمنتها الجماعية أو أمام النظام الذي يبقي على هذه الهيمنة. هذه بيئة سياسية تتميز بالقيود وليس بالانفتاح، ومن ثم يجب التشكيك في الفائدة التحليلية عند تقييم النظام السياسي اللبناني على أنه نموذج للديمقراطية التوافقية منحاز أو غير كامل أو حتى خاطئ.

بكل تأكيد لدى لبنان مؤسسات ديمقراطية، لكن هذه المؤسسات لا تمنح إلا حدا أدنى من المشاركة وهي مقاومة للمجهودات الإصلاحية التي قد توسع المشاركة السياسية. والديمقراطية التوافقية هي جزء من المقاربات “العائلية” لتقاسم السلطة في المجتمعات الانتقالية، أي أنها نموذج حكم يهدف إلى إدارة الولاءات الإثنية والطائفية وغيرها من الولاءات المتضاربة المحتملة داخل بنية دولة واحدة.

ويركز هذا النموذج على بناء التوافق بين ممثلي النخبة لهذه المجموعات، ويدار ذلك عبر المفاوضات والمساومات ومجموعة دقيقة من المؤسسات السياسية.

بالنسبة إلى مهندسه الأساس أرند ليبهارت، النموذج الديمقراطي التوافقي هو مجهود من أجل تحديد كيف تعمل ترتيبات تقاسم السلطة داخل المجتمعات المنقسمة وكذلك لتوفير توجيهات في تحويل المجتمعات السياسية المتشظية إلى ديمقراطيات مستقرة تشمل الجميع.

ويرتكز الأساس المنطقي لدى ليبهارت على فكرة أن النماذج الديمقراطية التقليدية القائمة على الأغلبية ليست مناسبة للمجتمعات المتميزة بانقسامات حادة، حيث أن هذه الأنظمة تعمل على تضخيم الانقسامات الاجتماعية والسياسية. وبدلا من ذلك توجد عدة مجتمعات تعمل فيها النخب التعددية والمجزأة من خلال مؤسسات سياسية رسمية تقوم على تقاسم السلطة، سواء ارتكزت على التوافق أو الإجماع.

وهذا الشكل من الديمقراطية يتمحور حول أربعة خصائص:

أولا، تتكون الحكومات على أساس ائتلافات كبرى تضم عدة أحزاب تمثل مصالح وخلفيات طائفية متناقضة.

ثانيا، للمجموعات الطائفية المكونة للائتلاف الحق في نقض متبادل لعمليات صنع القرار، حيث يستبعد احتمال تعطل صنع القرار بفضل رغبة النخب الطائفية في ضمان بقاء النظام.

ثالثا، يتم انتخاب البرلمانيين حسب التمثيل النسبي كطريقة لضمان التمثيل الأقصى لمختلف الجماعات. ويسمح ذلك بعمليات صنع قرار عالية التركيز، وغالبا ما تكون سرية، تساعد على تسهيل التسوية في بيئة سياسية متشظية.

رابعا، هناك درجات عالية من الاستقلالية لدى المجموعات في مجالات مثل التعليم والثقافة، واحتمالا، القانون المدني. وقد تم تطبيق ترتيبات شبيهة في هولاندا وسويسرا وبلجيكيا والنمسا وماليزيا وجنوب أفريقيا وأيرلندا الشمالية وقبرص ومؤخرا في مقدونيا والعراق وجزر الفيجي في محاولة لتطبيق نوع من “المساومة الوطنية المركزية” من أجل “تحويل ديمقراطية ذات ثقافة سياسية منقسمة إلى ديمقراطية مستقرة”.

ويعني ذلك أنه باستطاعة النخب ممارسة درجة من السلطة تمكنها من تفادي النزعة القوية نحو عدم الاستقرار أو تعطيل صنع القرار التي تميز المجتمعات المنقسمة. وهذه السلطة تتطلب الوعي بنقاط ضعف النظام، والالتزام باستمراره، والقدرة على التفاوض لحل الخلافات الإثنية والطائفية وغيرها، والقدرة على الاستجابة لمطالب كل المجموعات حيث تكون استجابة النخبة ضرورية للعمل الصحيح ليس فقط للنظام لكن أيضا لديمقراطية منظمة.

عن مجلس سياسات الشرق الأوسط

6