النظام البرلماني في العراق بوابة الفوضى الدائمة

هل كان اقتحام مقر البرلمان العراقي الذي يقع في المنطقة الخضراء شديدة التحصين إعلانا عن سقوط رمزي للعملية السياسية الحالية؟ هذا التساؤل كان محور تفكير العديد من المراقبين خاصة في ظل تطور الأزمة السياسية تحت قبة البرلمان، وقد كثر الحديث فعلا في الأيام الأخيرة عن البدائل المحتملة للنظام البرلماني الحالي الذي كان عنوان الفشل لكل العملية السياسية التي يعيشها العراق اليوم بعد الاحتلال.
الاثنين 2016/05/16
اقتحام البرلمان إسقاط رمزي له

بغداد- أفق الأزمة السياسية العراقية الأخيرة لا ينحصر في مجرد الأخذ والرد بين السياسيين وفق سلوك المحاصصة الذي طبع نشاط الأحزاب الطائفية العراقية منذ الاحتلال وبدء العملية السياسية فيه، حيث نجحت ضغوطات أميركية وإيرانية على السياسيين العراقيين في إخراج المحتجين الغاضبين من المنطقة الخضراء الأسبوع الماضي، وعاد الهدوء مؤقتا إلى البلاد مع إعلان الزعيم الديني مقتدى الصدر عن إيقاف التظاهر عند المنطقة الخضراء، ولكن الأزمة لم تنته بعد، حيث أشار موقع “نقاش” التحليلي المختص في الشأن العراقي إلى أن جلسات البرلمان سوف تتكثف في المدة القادمة دون أن يكون لذلك أي تأثير على قرار بدأ يسري داخل العراقيين بأن النظام البرلماني يجب أن يزول.

ومنذ أيام يبذل رئيس البرلمان سليم الجبوري جهودا كبيرة لإعادة هيبة البرلمان واستئناف جلساته، لكنه يلاقي صعوبة نظرا لمواقف السياسيين العراقيين التي باتت اليوم أكثر تشددا، وخلافاتهم أكبر من السابق، الأمر الذي أثر على نسق نشاط الأحزاب والكتل البرلمانية ما مثل دافعا للرئيس العراقي فؤاد معصوم لمطالبة القوى السياسية بالإسراع في عقد جلسة جديدة للبرلمان لمناقشة الأزمة السياسية، فيما بدأ سليم الجبوري لقاءات مع قادة الأحزاب العراقية أوصلته إلى مدينة السليمانية في إقليم كردستان، وتعهد رئيس الوزراء حيدر العبادي بحماية البرلمان وضمان عدم اقتحامه مجددا.

وقال عدد من المراقبين إن هذه التحركات المكثفة من القيادات العليا للدولة العراقية والممثلة في رئاسة الدولة والبرلمان والحكومة أتت متأخرة. وأورد موقع نقاش أن النواب الأكراد الذين يمتلكون 62 مقعدا أعلنوا المقاطعة بعد تعرض نائب رئيس البرلمان أرام شيخ محمد إلى الضرب من قبل المتظاهرين، ومحاصرة رئيس كتلة “التحالف الكردستاني” في البرلمان آلاء طالباني من قبل متظاهرين غاضبين آخرين.

مطالب مستحيلة

قانون النفط والغاز من أهم القوانين التي يحتاجها العراق

لن يشارك النواب المعتصمون الذين قرروا طرد رئيس البرلمان سليم الجبوري من منصبه قبل أسبوعين في الجلسات مرة أخرى، ويطالبون برئيس جديد للبرلمان، أما ائتلاف “الوطنية” بزعامة إياد علاوي فيطالب بتشكيل حكومة طوارئ، والتيار الصدري بحكومة جديدة من المستقلين، وهي أمور مستحيلة التحقق الآن. وقال النائب عن كتلة دولة القانون هشام السهيل، إن “النواب المعتصمين سيشكلون كتلة سياسية جديدة باسم جبهة الإصلاح وتضم الآن 100 نائب. قررنا قبل أيام عدم المشاركة في جلسات البرلمان التي يرأسها الجبوري”. ويبقى 166 نائبا من المستحيل عليهم عقد جلسة قانونية، ولهذا فإن البرلمان أصبح معطلا حتى إشعار آخر.

ولكن حتى لو نجح البرلمان في عقد جلساته فلن يستطيع تشريع القوانين أو تعديل الحكومة، كما يقول منذر الشريفي، عضو اللجنة التنسيقية للمتظاهرين في بغداد، وأضاف الشريفي أن “الكتل السياسية ليست على توافق، فالجميع ضد الجميع، ولا توجد كتلتان متفقتان معا على قضية ما”، وتابع “للأسف النظام البرلماني في العراق أثبت فشله لأن نظام المحاصصة قطّع أوصال البرلمان، ولكن الانتقال إلى النظام الرئاسي يثير المخاوف من عودة الدكتاتورية”.

إنجازات خجولة

بعد ستة أسابيع يكمل البرلمان نصف دورته الانتخابية البالغة 4 سنوات، وتتبقى أمامه فقط سنتان لإنجاز العشرات من مشاريع القوانين والقرارات المعطلة على رفوف اللجان النيابية، بعضها يعود إلى سنوات وأخرى ضرورية متعلقة بالوضع السياسي والأمني. وتكشف البيانات المنشورة على الموقع الإلكتروني للبرلمان العراقي نتائج مثيرة لكنها سلبية، فالبرلمان ناقش خلال السنتين الماضيتين 275 قانونا، ولكنه لم يتمكن من إقرار سوى 87 فقط، أي أنه أنجز فقط ثلث القوانين.

وتمر عملية إقرار القوانين داخل البرلمان بثلاث مراحل، القراءة الأولى للقانون ومن ثم القراءة الثانية، وأخيرا التصويت عليه. وتشير الإحصاءات إلى أن 121 قانونا أكملت قراءتها الثانية وهي تحتاج فقط للتصويت عليها، ولكن الكتل السياسية فشلت في ذلك، كما أن 67 قانونا تمت قراءتها للمرة الأولى فقط.

عامر فياض: النظام البرلماني لم يطبق بصورة صحيحة في العراق بسبب السياسيين

والمشكلة الأكبر أن القوانين التي أقرها البرلمان ليست مهمة ولا تتضمن تشريعات أمنية وسياسية في وقت يخوض فيه الجيش حربا شرسة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، ويعاني العراقيون من تراجع ملحوظ في الخدمات وتزايد البطالة وأزمة مالية بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية.

ومن أبرز القوانين المهمة التي فشل البرلمان في إقرارها قانون “الحرس الوطني” الذي ينص على تشكيل قوة أمنية جديدة في كل محافظة ومن سكانها حصرا، تقوم بمهمة محاربة “الدولة الإسلامية”، ولكن الخلافات بين الأحزاب الشيعية والسنية عرقلت إقرار القانون.

وقانون “المحكمة الاتحادية” من القوانين الأخرى التي فشل البرلمان في إقرارها، وهذه المحكمة هي أعلى سلطة قضائية في البلاد لها صلاحية النظر في الخلافات بين السياسيين في البرلمان والحكومة، ولهذا فإن كل كتلة سياسية تريد أن يكون القانون وفق مصالحها.

وتتضمن هذه القوانين إصلاحات سياسية وأمنية كبيرة كان من الممكن أن توحّد القوى السياسية في العراق ضد الحرب على الدولة الإسلامية، ولكن فشل البرلمان في إقرارها عزز الخلافات السياسية.

وهناك قوانين مهمة معطّلة منذ سنوات كان على البرلمان أن يقرها تطبيقا لمواد دستورية، ولكن النواب خرقوا الدستور ولم يكترث رئيس الجمهورية والمحكمة الاتحادية العليا بذلك على الرغم من أن واجبهم هو تطبيق الدستور. وبموجب المادة 48 من الدستور فإن السلطة التشريعية لا تتكون فقط من البرلمان، بل يجب تشكيل مجلس آخر يطلق عليه “مجلس الاتحاد” ويضم خمسة ممثلين عن كل محافظة عراقية، ويعمل إلى جانب البرلمان وله صلاحيات في رفض قوانين البرلمان ولكنّ السياسيين العراقيين فشلوا في إقراره.

كما أن قانون النفط والغاز من أهم القوانين التي يحتاجها العراق، فالنفط الشريان الرئيسي لاقتصاده ودخله القومي، ومنذ تسع سنوات فشل البرلمان في تشريع هذا القانون، ولو تم إنجازه في وقت مبكر لكان الخلاف الأزلي بين الحكومة الاتحادية في بغداد وإقليم كردستان قد أزيل تماما.

البرلمان فشل في إقرارها قانون "الحرس الوطني"

وأصعب مهمة فشل فيها البرلمان هي إجراء تعديل على الدستور الذي كتب على عجل عام 2005، وكشفت السنوات الماضية عن مشكلات وأخطاء كثيرة بعدما تم تطبيقه، فالمادة 142 من الدستور أجبرت البرلمان على تعديل الدستور قبل نهاية العام 2006.

نظام فاشل

وطبقا لما سبق تساءل عدد من المراقبين هل يمكن القول إن النظام البرلماني فشل في حكم العراق؟ وما هو البديل؟ وهل يمكن إجراء تغيير في النظام السياسي الآن؟ وكلها أسئلة معقدة من الصعب الإجابة عنها، ولكنّ أصواتا سياسية بدأت بالفعل تطالب بتطبيق النظام الرئاسي.

فقد هاجم المتظاهرون الأسبوع الماضي مبنى البرلمان وتركوا مقرّ الحكومة، وهذا يعني أن العراقيين يحمّلون البرلمان مسؤولية مشكلاتهم بدلا من الحكومة، على الرغم من أن النواب لا يمتلكون أي صلاحيات تنفيذية. ويعتبر رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، الذي يتهمه خصومه بالتفرد في إدارة الحكم قبل سنوات، والفصائل الشيعية المسلحة الموالية لإيران من أبرز المطالبين بالنظام الرئاسي، وهذا ما يثير مخاوف باقي الكتل السياسية التي تفضل التمسك بالنظام البرلماني رغم مساوئه.

ويقول أستاذ العلوم السياسية عامر فياض، إن “النظام البرلماني لم يطبق بصورة صحيحة في العراق، والأزمة السياسية ليست بسبب هذا النظام وإنما بسبب التطبيق السيئ للسياسيين العراقيين”.

وحتى لو أراد السياسيون الانتقال إلى النظام الرئاسي فالقضية ليست سهلة، إذ يجب تعديل الدستور بموافقة ثلثي عدد النواب ومن ثم إجراء استفتاء شعبي للموافقة عليه، وهي شروط صعبة التحقق في الوقت الحاضر، كما يقول فياض.

6