النظام التركي يتخبط ويتهم

هذا هو نتاج تفكير قاصر من نظام الحكم الذي تاجر بقضية الشعب السوري، فأحبط ثورته ذات المضامين الديمقراطية وابتلاها بخفافيش الظلام، ثم انتقل إلى نفاق الروس والإيرانيين، لكي يقتطع شريطا من أراضي سوريا العربية.
الأربعاء 2018/05/16
العملية الانقلابية كانت نتاج احتقان داخلي سياسي واجتماعي

قبل منتصف ليلة 15 يوليو 2016 فوجئ العالم بمحاولة انقلاب عسكري على حكم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان. وبعد نحو أسبوعين من فشل الانقلاب، لانكشاف أمره لدى المخابرات التركية قبل ست ساعات من موعده المحدد، واضطرار الانقلابيين إلى التعجيل به بطريقة عشوائية، خرج الرئيس أردوغان باتهام المخابرات المركزية الأميركية، وتحديدا رئيسها جوزيف فوتيل، بالتآمر مع فتح الله غولن، لتنفيذ ذلك الانقلاب. ولما طلب أردوغان تسليم غولن له، طلب الأميركيون دليلا على تورط الرجل في المحاولة الانقلابية، علما بأنه أدانها بــ“أشد العبارات” حسب تعبيره، فأجاب أردوغان قائلا للأميركيين “عندما كنتم تطلبون منا تسليم أي إرهابي، لم نكن نطلب منكم وثائق تدينه”.

آنذاك، كان العقل المدبر للانقلاب، في لغة ردود الأفعال التركية، هو جون كامبل، الجنرال الأميركي المتقاعد، والقائد السابق لقوات حلف الأطلسي في أفغانسان، ولاقت هذه التهمة سخرية الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما الذي شدد على عدم علم واشنطن بالانقلاب، كما لاقت إنكارا من كامبل، الذي ذكر أنه كان في وقت العملية الانقلابية منهمكاً في مزرعته الريفية.

غير أن سياقات النظام التركي لاجتثاث جذور العملية الانتخابية، وهي مهولة، أكدت على أن العملية الانقلابية كانت نتاج احتقان داخلي سياسي واجتماعي، إذ اعتقل 45 ألف ضابط جيش وشرطة، منهم 163 جنرالاً وأدميرال بحر، و2700 قاضٍ، و15 ألف معلم وأستاذ جامعي وعميد كلية. وصرح بكير بوزداغ، وزير العدل التركي نفسه، بأن الضالعين في العملية الانقلابية سبعون ألفاً لم تعتقل منهم السلطات سوى 32 ألفاً، وسيطلق سراح فائض العدد من المعتقلين ظلما، وتعويضهم بـ38 ألفاً يجري البحث عنهم.

ولما اتهمت سلطات أردوغان الجنرال شهيد بكير، قائد القوات التركية السابق في أفغانستان ضمن حلف الناتو، بالضلوع في المحاولة الانقلابية، وكان الرجل في دبي، سلمته دولة الإمارات لأنقرة، مع زميله الذي كان معه وهو المسؤول السابق عن الدعم التدريبي في أفغانستان، البريغادير سينير توبوك. وعلى الرغم من ذلك ظلت أنقرة تتهم دولة الإمارات. وسلمت تل أبيب لأردوغان الملحق العسكري التركي لديها، أكين أوزتورك، في اليوم التالي لفشل الانقلاب الذي أغضب إسرائيل، التي لم يسقط رهانها على التعاون التركي معها، على قاعدة إعطائه حرية الكلام النقدي لها وتسويقه.

في ذلك الخضم الاتهامي اضطر دبلوماسيون أتراك ومواطنون بالآلاف، إلى طلب اللجوء السياسي في أوروبا، ونشر موقع ويكيليكس، عبر تويتر 300 ألف إيميل من مراسلات الحكومة التركية بعد المحاولة الانقلابية، ونصف مليون وثيقة لحزب العدالة والتنمية، ولم يكن من بين كل تلك الوثائق ما يشير إلى تواطؤ أحد مع الانقلابيين، غير العسكريين والشخصيات الوازنة في المجتمع التركي نفسه.

بعد كل تلك الحكاية الكبيرة، بضحاياها وألوفها المؤلفة من الناس، لم تجد الحكومة التركية أوجب من رد أسباب الإعصار إلى النائب الفلسطيني محمد دحلان، الذي ما زالت تتهمه بالمسؤولية عن ارتجاعات الزلازل. فالرجل هو المشكلة الوحيدة بالنسبة لها، في اختزال معيب لمشكلة النظام مع قطاعات واسعة من شعب تركيا، وهي التي اضطرته إلى استعادة ناخبيه قبل أن يتلاشوا، ودعا إلى انتخابات مبكرة. ففي هذا الاتهام اللامنطقي، تسقط أجوبة قديمة وترتفع أسئلة جديدة، بينما النائب الفلسطيني المعارض فعلاً لنظام بلاده، لم ولن يخطط للانقلاب عليه على كثرة ما له من جمهور. كأنما لم تكن ستحدث أية مشكلة في تركيا، لو أن دحلان لم يقلب أوضاع الدولة الكبيرة. هكذا هي السياسة في وعي من يرهنون أنفسهم لجماعة “الإخوان” التي لا يُعد دحلان الرافض الوحيد لحكمها وحكم أي حزب باسم الدين بادعاء التفويض من رب العالمين. فأية حسابات صغرى وغبية تأخذ حكومة دولة ذات قوة إقليمية وازنة إلى هذه الوجهة؟

كأنما دحلان هو الذي يحرك 163 جنرالاً وأدميرالاً في جيش قوي، وخمسة عشر ألف أستاذ جامعي وعميد كلية، ولا ندري كم ألفاً من الخبازين والسائقين، لكي ينقلبوا على أردوغان. فلعل مثل هذه السخافة تنتمي إلى جنس الإنكار والعُفار، لحجب الأنظار عن احتقانات الداخل التركي، التي بلغت ذروتها في العام 2013 مع فضيحة الفساد المدوية التي فجرتها هيئة الشفافية التركية، وطالت مقربين من الرئيس التركي وأفراد عائلته، وكانت سبب التوتر بين موالي فتح الله غولن وحزب العدالة والتنمية.

وفي حال كان الأميركيون هم المحرضون الضالعون في المحاولة الانقلابية، تتبدى الوضاعة في التغاضي، باتهام نائب فلسطيني وسياسي منخرط في قضية شعبه، بأنه وراء هكذا محاولة انقلابية أو اتهامه بتخليق معارضة تتربص للحكم في تركيا. إن هذا هو نتاج تفكير قاصر، من نظام الحكم الذي تاجر بقضية الشعب السوري، فأحبط ثورته ذات المضامين الاجتماعية والديمقراطية، وابتلاها بخفافيش الظلام، ثم انتقل إلى نفاق الروس والإيرانيين، لكي يقتطع لنفسه شريطاً من أراضي سوريا العربية.

9