النظام الجزائري والجالية المهاجرة

الخميس 2017/06/15

لا يوجد نظام سياسي عاقل في العالم يلغي بمرسوم حقَ هذا المواطن أو ذاك من مواطني الدولة التي يحكمها في الوصول إلى المناصب الإدارية والسياسية العليا إلا إذا قام بأعمال الخيانة العظمى أو بالجرائم بمختلف أنواعها أو ثبت أنه مجنون فعليا، ولكن النظام الجزائري فعل هذا أمام الرأي العام الوطني، وأمام أعين المنظمات الدولية التي ترعى حقوق الإنسان.

ففي الأيام الماضية طالب الوزير الأول الجزائري عبدالمجيد تبون، من خلال مرسوم وقعه رسميا، جميع المسؤولين الجزائريين الكبار بما في ذلك الوزراء وأعضاء القيادة السياسية بملء استمارة جاهزة للتصريح بعدم امتلاكهم للجنسية الأجنبية ماعدا الجنسية الجزائرية. ويعني هذا أن كل جزائري يحمل جنسية ثانية إلى جانب الجنسية الجزائرية ممنوع عليه أن يصبح وزيرا أو مسؤولا كبيرا في جهاز الجيش والأمن أو يرتقي سلم الوظيفة السياسية العليا في البلاد.

وفقا للمعلومات التي وردت في مرسوم تبون فإن قائمة الممنوعين من حمل الجنسية الأجنبية تشمل “أعضاء الحكومة والأمين العام للحكومة والرئيس الأول للمحكمة العليا، وأيضا كلا من رئيس مجلس الدولة ومحافظ بنك الجزائر ومسؤولي أجهزة الأمن ورئيس الهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات وقائد أركان الجيش الوطني الشعبي وقائد القوات المسلحة وقادة النواحي العسكرية وكل مسؤولية عليا عسكرية محددة عن طريق التنظيم”.

وفي الواقع فإن مرسوم الوزير الأول الحالي هو تطبيق للقانون الذي صادق عليه البرلمان ومجلس الأمة منذ عدة شهور. في هذا السياق ينبغي طرح الأسئلة التالية: لماذا يطلب ذلك من المسؤولين الجزائريين الذين تم تعيينهم في المناصب العليا في مختلف أجهزة الدولة في الوقت الذي يعرف القاصي والداني أن المخابرات الجزائرية لها ملفات جامعة عن كل من تقلد، أو يرشح لكي يتقلد، منصبا حساسا بما في ذلك جنسيته وأصله وفصله؟

وهل نفهم من هذا أن المخابرات الجزائرية لا تعرف شيئا عن هؤلاء المسؤولين الكبار الذين وجدوا من قبل ويوجدون الآن في المناصب العليا؟ ثم من هم المقصودون بإظهار صك الغفران والتخلي عن الجنسية الأجنبية للبقاء في مناصبهم العليا؟

ليس مطلوبا من أي كان أن يكون له عقل ألبرت إنشتاين لكي يدرك أن القانون الذي بموجبه تمَ إلغاء حقَ المواطن الجزائري الحامل لجنسية ثانية في تبوَء المناصب العليا في بلده الجزائر، يستهدف في الحقيقة أبناء الجالية الجزائرية المقيمين في المهاجر الأوروبية والغربية بصفة خاصة وفي مختلف الدول الأجنبية بصفة عامة. ويعني هذا أن جميع المهاجرين الجزائريين الحاملين للجنسية المزدوجة ممنوعون من حق المواطنة علما أن تعداد المهاجرين الجزائريين المقيمين في الغرب يقارب 5 ملايين مهاجر.

وإقصاء المهاجرين الجزائريين الذين يحملون الجنسية المزدوجة هو اعتداء على حقوق الإنسان، كما أن منفذيه يستندون على فكرة التخوين المبطنة المسلطة على هؤلاء المهاجرين عن سبق إصرار.

لا شك أن مهندسي هذا القانون (وهم حراس النظام الجزائري) يرمون من ورائه إلى إبعاد عدد معيّن من الشخصيات الوطنية المقيمة في المهجر من الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة من جهة، ومن جهة أخرى فإن هؤلاء يريدون خلق شروخ بين الجزائريين في الوطن وفي المهاجر الأجنبية. هذا الإجراء غير الأخلاقي يكشف عن زيف شعارات حماية ورعاية أبناء الجالية الجزائرية في المهاجر الأجنبية المرفوعة من طرف النظام الجزائري على مدى سنوات طويلة. وفضلا عن ذلك فإن هذا الإقصاء هو دليل على فشل توحيد المواطنين الجزائريين داخل حدود الوطن وخارجه نفسيا وثقافيا وسياسيا ووطنيا.

إن إلغاء حق المواطنة الطبيعي الذي يمنحه الدستور الجزائري للمواطن الجزائري وتقرّه الأعراف الدولية هو سلوك يتناقض حتى مع القانون الجزائري الذي ينصّ على حق أي مواطن جزائري في الجنسية المزدوجة إذا أراد ذلك. وفقا لهذا المنطق الشاذّ الذي يمارسه النظام الجزائري ضد مواطنيه فإن ما لا يقل خمسة ملايين جزائري في المهاجر الأجنبية يعدّون في نظره خونة في الاحتياط من جهة، وخارج جغرافيا المواطنة الكاملة إلى الأبد من جهة أخرى.

على ضوء ما تقدّم فإن عدم مواجهة أحزاب المعارضة والمثقفين وتنظيمات المجتمع المدني لسيناريو إقصاء المهاجرين الجزائريين من الحياة السياسية هو موقف رجعي سيحاسب عليه التاريخ.

كاتب جزائري

9