النظام الجزائري وحمار أرسطوطاليس

الخميس 2014/08/21

في هذا الأسبوع شرعت حكومة عبدالمالك سلال في رفع الضرائب على بيع الأملاك، والسيارات المستعملة التي يشتريها الفقراء، أما عمال مجمع النفط تيقنتورين بولاية ورقلة فقد نظموا وقفة احتجاجية بالجزائر العاصمة بسبب عدم إدماجهم والتقاعس في دفع أجورهم، وأطلق القضاء الإيطالي عملية التحري في أسرار فضيحة مجمع سوناطراك- سايبام، وتعني هذه الأمور وغيرها من المشكلات المطروحة بقوة أن الجزائر لا تزال في قفص الأزمة.

رغم أن أكثر 20 سنة مضت على الانتفاضة الشعبية الجزائرية ضد الحزب الواحد ودكتاتورية النظام الحاكم وأزماته التي لا تنتهي، إلا أن دار لقمان لا تزال على حالها حيث لم يحدث حتى يومنا هذا أي تغيير حقيقي في أساليب إدارة الحكم وحل المشكلات التي يعاني منها المواطنون، وتوزيع الثروة، أو بناء مجتمع العدالة والحريات، وفي الثقافة الاجتماعية والسياسية المأزومة نفسيا.

الأزمات تتصاعد والرجل الواحد قائم هو وزمرته في سدة السلطة، وتسليط الرأسمالية المتوحشة والبدائية على رقاب المستضعفين خلق جيلا جديدا ذا بعد واحد وهو بعد الاستهلاك في غياب كامل لوازع الإنتاج والتطوير في جميع المجالات الحيوية. كما أنَ تفشي أمراض سلب ونهب المال العام من طرف أقلية متحكمة في الاقتصاد الوطني، قد صار ظاهرة تثير السخرية والعجب، وتقضي على الترابط الاجتماعي بين المواطنين أنفسهم، وعلى الثقة في المسؤولين الذين فقدوا المصداقية.

في ظل هذا الوضع الرديء نطرح مجموعة من الأسئلة وهي: لماذا انتكست الانتفاضة الجماهيرية بعد دفع التضحيات الجسام؟ ثم لماذا تسيطر لغة الصمت على الشرائح الشعبية وتزول مظاهر نقد السلبيات الكثيرة التي تنبع أصلا من داخل أروقة النظام الحاكم والأحزاب الجزائرية التي أصابها ما أصاب أهل الكهف؟ هل ما يحدث في عمق المجتمع الجزائري هو مجرد ظاهرة مرحلية، أم أنَ المشكل يتمثل، جوهريا، في البنية الثقافية السائدة التي تتميز بالتخلف المركب؟ وما هو السبيل إذن إلى إحداث التغيير الجذري من أجل خلق الإنسان الجديد ومجتمعه الديمقراطي؟

بادئ ذي بدء أرى أنَ المجتمع الجزائري مجتمع مأزوم وعصابي، وهو في حاجة إلى تحليل بنياته اللاواعية والواعية في حقول السياسة والسلطة والثقافة بكل تمظهراتها وأنماطها، وذلك من أجل إبراز مختلف أشكال الكبت والنكوص والعزل والحرمان التي أنتجت، ولا تزال تنتج، وضعا غير سوي بكل المقاييس على مستوى هرم الحكم، وفي البنية العميقة في القواعد الشعبية.

لاشك أن للسياسة جانبا نفسيا لأنها من صنع الناس، حيث أنهم حيوانات نفسية إلى جانب كونهم حيوانات ناطقة، علما أن التركيز على تعقيدات الظاهرة النفسية لا يعني إهمال الظواهر الاقتصادية والتراث والتاريخ والثقافة، بل إن كافة هذه الظواهر تؤثر في بعضها البعض، ولها دور في بناء الشخصيات السياسية، أو الاجتماعية. على ضوء هذا نرى أنَ دكتاتورية الآباء داخل الأسر، ومنها الأسرة الجزائرية، تفضي إلى إنتاج أجيال معقدة نفسيا وميالة للعنف ولممارسة تهميش الآخرين.

إذا كان التحليل النفسي قد أثبت نجاعة في علاج النفسيات المتأزمة، فإن العلاج النفسي للسياسة ولإشكالية السلطة وللثقافة في المجتمع الجزائري التي تشكل أفراد هذا المجتمع، من شأنه أن يساعدنا على إدراك زوايا الخلل المعتمة فيه.

لتحليل الواقع الجزائري المعقد أريد أن أستعين ببعض نظريات وأفكار الدكتورين مصطفى صفوان وعدنان حب الله اللذين يريان أن المشكلة الأبرز في المجتمعات العربية المعاصرة بما في ذلك المجتمع الجزائري، تتمثل في عدم بناء الفرد الحر والثقافة الضامنة للحريات. وفقا للدكتورين صفوان وحَب الله فإن “الفردية غير موجودة في الثقافة العربية أو تتهمش أمام الجماعة، أضف إلى ذلك أن البنية الاجتماعية العربية لا تزال في أكثر المناطق الريفية قبلية”.

إن هذا التوصيف ينطبق تماما على المجتمع الجزائري، والدليل على ذلك هو تغييب الفردية المستقلة في ظل السيادة المطلقة للحاكم الأوحد التي تدعمها ثقافة سلطة العشيرة، والجهوية على نحو ملفت للنظر. من نتائج هذا التغييب نجد تكرار ثقافة هذا النوع من الحاكم المستبد على نحو نمطي، وإن تغيرت الأسماء ولون الجلد. من الظواهر المهمة التي يمكن لنا أن نتوقف عندها هي أن محأولة انتفاضة الجزائر لتحقيق الانتقال من التوزيع العشائري والجهوي للسلطة بزعامة الحاكم الفرد الدكتاتوري بسرعة ودون حصول تحوَل ثقافي ونفسي واجتماعي وتربوي واقتصادي متطور في ثمانينات القرن الماضي، قد أدى إلى بروز العنف كلغة وحيدة في المجتمع ككل.

جرّاء هذا الخلل فإن مجتمع الاستقلال قد تحول إلى مجتمع استغلال، وكبح لمواهب وطاقات المواطنين الإبداعية، بدلا من تربيتها وتثقيفها وإطلاق العنان لها لتساهم في تجسيد الأمنية التي تمنى العالم المصري الدكتور مصطفى صفوان أن تتحقق في ربوع العالم العربي قاطبة: “أتمنى للمجتمع العربي أن تتعدد فيه مراكز القوى، دون أن يحصل استفراد بالحكم نظرا إلى أن الاستفراد بالحكم مبني على فكرة الواحد، أي على الطوطمية وأتمنى زوال الطوطمية في نهاية الأمر”.

إن هذا الوضع الجزائري المؤلم قد أفرز أمراضا مركبة وعلاقة بين البناء النفسي والاجتماعي والثقافي للفرد الأناني والمستبد، وبين الدكتاتورية السياسية المطبقة. وفقا للنموذج الجزائري فإنه من الضروري القول إن الحكَام الدكتاتوريين لا يأتون من خارج المجتمع وثقافته وتراثه وقيمه وأفراده، ولاشك أيضا أن الحاكم إفراز اجتماعي وتعبير مباشر أو غير مباشر عن الثقافة السائدة في المجتمع.

بناء على هذا فإن التحليل السليم والموضوعي للدكتاتورية الصريحة أو المقنعة في المجتمع الجزائري لا ينبغي أن تختزل في الفرد الحاكم فقط، ولكن من المفيد أن نبحث عن جذور هذه الظاهرة السلبية في ثقافة ونفسية المجتمع ككل، أو في أجزائه المهيمنة التي تمثل الأغلبية المسيطرة، أو لدى الأقلية التي لها الغلبة كبنية اقتصادية وسياسية وثقافية وقيمية (من القيم)، ودون ذلك فإن التحليل يكون مخادعا وغير تاريخي. في هذا السياق بالذات فإنه ينبغي علينا أن لا نستبعد دور القهر متعدد الأنماط الذي يمارس منهجيا على المواطنين في تشكيل الشخصية السلبية لديهم، وفي هذا الصدد يقول الدكتور صفوان: “الفئات الشعبية بسبب العقلية الانهزامية والتنكيل السياسي الذي تمارسه الدولة وغياب مشروعات التنمية لا تسمح بإحداث التغيير المطلوب”. لاشكَ أن الحكاية/ النكتة التالية التي يرويها مصطفى صفوان تنطبق على العلاقة التعسفية التي تربط الحاكم الجزائري بالمواطنين والمواطنات الذين كلما انتفضوا قام النظام بإخضاعهم: “هنالك حكاية تحكى عن أرسطوطاليس: كان هناك حمار يحمل عليه الملح، وبينما هو في الطريق وقع الحمار في الماء، فذاب الملح وخف الثقل المضني علی ظهره. وبعد ذلك أصبح الحمار كلما رأی ماء رمى نفسه فيه؛ فانتبه طاليس للقصة، فقام وحمَله اسفنجة فأصبح كلما وقع في الماء ازدادت حمولته، مما جعله يقلع عن هذه العادة”.


كاتب جزائري

9