النظام الجزائري وشراء السلم الاجتماعي

سياسات شراء السلم الاجتماعي التي ابتكرها النظام الجزائري منذ شروعه في برنامج الوئام المدني، مكنت النظام من تشتيت المعارضة وإلحاق الهزيمة بها في مختلف الانتخابات التي شهدتها البلاد.
الخميس 2018/04/05
تشتيت المعارضة من حول النظام الجزائري

تناقلت وسائل الإعلام الجزائرية في هذا الأسبوع، خبرا مثيرا يتمثل في المخطط الذي يعده النظام الجزائري في سرية كاملة من أجل مواصلة تعميق استراتيجية شراء السلم الاجتماعي المعمول بها منذ وصول الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة إلى سدة الرئاسة، وذلك لكي يضمن هذا النظام استمراره على سدة الحكم لسنوات طويلة قادمة.

هذا المخطط الذي يحضره النظام الجزائري الحاكم تحت قناع إعداد المخطط المالي للسنة المالية القادمة (2019)، يدخل في إطار تنفيذ أجندته المتمثلة في اغتيال ثقافة المعارضة في الجزائر وتحقيق السيطرة الكاملة على الانتخابات الرئاسية القادمة في عام 2019. ووفقا للتسريبات التي لم تنفها السلطات الجزائرية فإن المبلغ المرصود لشراء السلم الاجتماعي قدر بـ75 مليار دولار.

سياسات شراء السلم الاجتماعي التي ابتكرها النظام الجزائري منذ شروعه في تنفيذ برنامج الوئام المدني، ومن بعده برنامج المصالحة الوطنية أعطت أكلها حيث مكنت النظام من تشتيت المعارضة ومن إلحاق الهزيمة بها في مختلف الانتخابات التي شهدتها البلاد، مثلما استطاع أن يشتري ذمم مئات القيادات الإسلامية التي كانت توصف في الماضي بالراديكالية، وكذا أجنحتها السياسية والعسكرية بالمال الخيالي، وبالمحلات التجارية فضلا عن الدعم اللوجيستي لها مقابل النزول من الجبال ورمي السلاح جانبا ومن ثم الكف نهائيا عن ممارسة أي نوع من المقاومة الوطنية السلمية والمتحضرة بما في ذلك حقَ المعارضة السياسية والأخلاقية.

لا شك أن هذا المخطط الجديد الذي يطبخ حاليا على نار هادئة هو مواصلة تنفيذ لسلسلة لبرامج التي طبقت في سنوات حكم الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة من أجل ترسيخ الهيمنة الساحقة على المشهد السياسي في الجزائر العميقة وعلى العهدات الرئاسية السابقة لصالحه لفائدة جماعته التي حكمت معه ولا تزال تواصل حكم البلاد.

من المعلوم أن برامج شراء الذمم بالمال قد استهلكت مئات المليارات من الدولارات دون جدوى أو أي مردود اقتصادي أو صناعي على المجتمع الجزائري الذي حُوّل إلى فضاء استيراد واستهلاك وتبعية للاقتصاديات الأجنبية. في العمق فإن الهدف الرئيسي من وراء تنفيذ برامج شراء السلم الاجتماعي ينقسم إلى عنصرين رئيسيين وهما: التجديد للرئيس بوتفليقة كلما انتهت عهدته الرئاسية بشكل سلس وعلى نحو يقصي المعارضة من خلق بعض المصاعب لحملاته الانتخابية، ومنع أي انتفاضة شعبية ضد السلطات التي أضرت البلاد بإجهاض تحركات بعض الجهات الجزائرية المعارضة والتي حركتها رياح ما يسمى بالربيع العربي الذي هاجمته السلطات الحاكمة في الجزائر وتعتبره محاولة لزعزعة الأمن الوطني والإقليمي ومشروعا هداما يسعى عرابوه إلى فسح المجال للتدخلات الأجنبية في شؤون بلداننا.

والملاحظ هو أن السلطات الجزائرية قد استغلت فعليا انحرافات عدد من الانتفاضات التي شهدتها بعض الدول في الفضاء المغاربي وفي المشرق العربي، ومن ثم قامت بنفخها وترسيمها في المخيال الشعبي الجزائري وفي الأفق السياسي العام كبعبع مهدَد لسلامة أفراد الشعب، وللوحدة الوطنية ولأمن واستقرار البلاد.

وفي الواقع فإن برنامج تمويل مشاريع الشباب الجزائري المدعو ببرنامج “لونساج” قد صرفت ولا تزال تصرف عليه الدولة عشرات المليارات من الدولارات ولكنه لم يخلق الفاعلية الاقتصادية ولم يقض على شبح البطالة، ولم ينجز التنمية الاقتصادية المتطورة أو الرفاه الاجتماعي في المجتمع الجزائري، وبالعكس فإن هذا البرنامج، الذي لا يزال متواصلا إلى يومنا هذا، قد لعب دورا محوريا في إفساد أخلاق الشبان والشابات الجزائريين والجزائريات بحيث صرنا أمام جيل يعتمد كليا على الغش أسلوبا في التعامل التجاري، وعلى إغراق السوق الجزائرية بالبضائع الكاسدة في البلدان التي أنتجتها. وأكثر من ذلك فقد تحول هؤلاء إلى شريحة طفيلية تهدر العملة الوطنية الصعبة وفي الوقت ذاته لا تنتج شيئا ماديا أو معنويا يمكن أن يكون أساسا صلبا يبني عليه الاقتصاد الجزائري آفاقه المستقبلية.

والأدهى أن شريحة الشبان والشابات في الجزائر قد تم إغراقها في ديون الدولة، وبذلك لم تعد قادرة على أن تتحكم في مصيرها بل تفشت بين أفرادها الأمراض النفسية والخوف من الحاضر والمستقبل. أما برنامج توظيف الشباب الذي صممته أجهزة النظام الجزائري بإحكام فقد كلف بدوره البلاد مليارات الدولارات دون أن يحقق استقرارا وظيفيا بين أوساط الشبان، وبالعكس فقد دمّر نظام الوظيف العمومي التقليدي الذي قامت عليه منظومة العمل الجزائرية منذ الاستقلال حتى مرحلة الرئيس بوتفليقة. وبالفعل فإن برنامج تشغيل الشباب يحفل بالكثير من السلبيات وفي مقدمتها التوظيف الجزئي المؤقت الذي لا يضمن الترقية التدريجية، أو التطور المهني المتواصل في ظل عاملي التحفيز الإبداعي والاستقرار الوظيفي أو الرقي في سلم الوظيف العمومي.

9