النظام الجزائري ولعبة ترويض الأحزاب الأمازيغية

الخميس 2016/09/08

شرعت في الآونة الأخيرة البعض من أحزاب المعارضة الجزائرية في التشكيك في نزاهة الانتخابات التشريعية المقبلة، والتي ستجري خلال سبعة أشهر من الآن حسب الموعد المقرر لها، ومن بينها الأحزاب التي ينتمي قياديوها المؤسسون إلى المنطقة الأمازيغية. علما أن هذه الأحزاب، على غرار حزب القوى الاشتراكية وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي انشق عن حزب القوى الاشتراكية بقيادة عبدالكريم طابو، تريد أن تبدو للرأي العام الوطني الجزائري بمظهر الأحزاب الوطنية لا الأحزاب الجهوية المنغلقة على نفسها في هذه المنطقة.

ومن المعروف أيضا أن هذه الأحزاب السياسية الثلاثة تنعت نفسها، في ما يشبه التفكير الرغبي، بأنها راديكالية في معارضتها للنظام الحاكم، علما أن القراءة الدقيقة للـواقع تؤكـد عكس ذلـك على صعيدي العقيدة السياسية والممارسة الميدانية.

إذا استثنينا حزب الاتحاد الديمقراطي الناشئ، بزعامة عبدالكريم طابو، الذي لم يستكمل حتى الآن هياكله التنظيمية وشخصيته السياسية والعقائدية جراء العراقيل التي وضعتها ولا تزال تضعها أمامه أجهزة النظام الحاكم، فإننا نجد أن حزبين قديمين وهما؛ حزبا القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية قد فشلا مرارا في استقطاب القاعدة الشعبية عبر الوطن كله، وفي كسر شوكة الجهاز التقليدي للسلطة الحاكمة الدكتاتورية، ومظلته السياسية المتمثلة في حزب جبهة التحرير الوطني وحزب التجمع الوطني الديمقراطي وأحزاب أخرى تابعة معروفة بالتواطؤ مع السلطة، في مختلف الانتخابات المختلفة المتكررة السابقة وفي صدارتها الانتخابات التشريعية التي تعتبر محك شعبية هذا الحزب أو ذاك على المستوى الوطني برمته من جهة، والقول الفصل في هز أركان النظام الحاكم والوصول إلى السلطة وتقرير مصير الأساس القانوني للشرعية الديمقراطية السياسية من جهة ثانية.

لا شك أن اللعب بصناديق الاقتراع له دور مفصلي في تكرار سيناريو بقاء أحزاب السلطة في الصدارة، غير أن عدم التمرد عليها بإيمان وصدق وشجاعة قد حولها إلى تقليد يعيد نفسه كل مرة. رغم كل هذه الإخفاقات فإن هذين الحزبين (القوى الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية) لم يقوما إلى حد الساعة بمراجعة نقدية من أجل تصحيح وضعيهما قصد الانتقال من حزبي منطقة إثنية في فضاء جغرافي محدد إلى حزبين متجذرين في الجزائر العميقة كلها.

مما لا شك فيه هو أن ثمة أسبابا أخرى قلصت من حظوظ هذين الحزبين ومكنت السلطة الحاكمة من ترويض وتشتيت مجموعة من الشخصيات السياسية المنتمية إلى هذين الحزبين اللذين لا يشتركان في المبادئ الأيديولوجية الكبرى منذ نشأتهما إلى يومنا هذا.

قبل الدخول في التفاصيل الأساسية التي تحولت كعب أخيل هذين الحزبين فإنه ينبغي التذكير بأن حزب القوى الاشتراكية قد أسسه المجاهد الراحل حسين آيت أحمد في عام 1963 على أساسيْ شعار “الاشتراكية الجزائرية الوطنية الديمقراطية”، و”الانتماء إلى الأممية الدولية الاشتراكية” في حين أسس الدكتور سعيد سعدي حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية في العام 1989 على أساس عقائدي متمثل في النقاط التالية الواردة في قانونه الأساسي وفي أساسها “بناء مدرسة حديثة ومحايدة وديمقراطية مؤسسة على قيم العقلانية والمواطنة والعالمية”، و”الفصل بين المجال السياسي والديني، وضمان حرية المعتقد والعبادة، وتحقيق اتحاد مغاربي ديمقراطي من خلال التعاون القائم على التعايش السلمي والمصالح المتبادلة”، وكذلك اعتبار “الأمازيغية والعروبة والإسلام إضافة إلى الانتماء المغاربي والأفريقي والمتوسطي، المكونات والمقومات الأساسية للهوية الوطنية” وغيرها من المبادئ الأخرى.

من الواضح هنا هو أن حزب القوى الاشتراكية لا تتناقض عقيدته المركزية مع الخطاب العقائدي العام لحزب جبهة التحرير الوطني الذي رفع منذ البداية شعار الاشتراكية بهويتها الجزائرية التي لا تلغي أو تعادي الدين الإسلامي. وكما هو واضح أيضا فإن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية يتفق مع هذين الحزبين في كون الإسلام يشكل، مع عناصر أخرى، البنية الكلية للهوية الوطنية الجزائرية وإن كان يختلف معهما في الاعتقاد بالليبرالية وفصل الدين عن الدولة من دون إلغائه كمكون جوهري للهوية كما سبق القول. ولكن حزب جبهة التحرير الوطني قد تخلى عن الاشتراكية وأصبح ينهج النهج الرأسمالي.

كما أن حزب القوى الاشتراكية قد غير نمط سلوكه ولم يعد متشبثا بالعقيدة الاشتراكية – خطابا سياسيا وممارسة في الميدان – وخاصة في البلديات التي انتخب فيها بالأغلبية وسيرها ولا يزال يسيرها إداريا على مدى سنوات، كما أنه لم يلتزم عمليا بشعار الفيدراليات الديمقراطية التي استعارها من التجربة السويسرية، وبالعكس فإننا نجده مسايرا للنظام الجزائري الحاكم في توجهاته التطبيقية لاقتصاد السوق المتناقضة جذريا مع العقيدة الاشتراكية الديمقراطية التي ما فتئ يرفعها كشعار فضفاض. وفضلا عن ذلك فإن جميع الدوائر والبلديات التي أنتخب فيها بالأغلبية وصار بموجب ذلك المشرف الشرعي عليها قانونيا لم يطبق فيها مبدأ التسيير الفيدرالي، أي نموذج “الكانتونات” الذي تعمل به سويسرا لكسر القيود البيروقراطية والمركزية اللاغيتين للديمقراطية.

على ضوء ما تقدم فإن الصراع المحتدم المعلن حينا والمضمر حينا آخر بين هذه الأحزاب الثلاثة وغيرها من الأحزاب (التي يبلغ تعدادها 39 حزبا) هو حول الوصول إلى سدة السلطة في ذاتها ولذاتها وعلى الآليات البراغماتية التي توصل إليها فقط.

لا شك أن حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية قد تبنى في مرحلة ما قضية اللغة الأمازيغية المقموعة من طرف النظام الجزائري كحق شرعي ينبغي الاعتراف به، غير أن هذا الحزب قد توقف عن مواصلة دفاعه عن اللغة الأمازيغية بعد الاعتراف بها في الدستور الجزائري كلغة وطنية ومن ثم كلغـة وطنية رسمية، حيث أنه لم يحرك ساكنا أمام الفَرْنَسة المستمرة للمحيط الوطني بشكل عام وفي المنطقة الأمازيغية بشكل خاص، وفضلا عن ذلك فإن النظام الحاكم قـد تمكن من ترويضه عن طريق تعيين شخصيات أساسية فيه في الحكومة مثلمـا حصل مع أحد أقطاب حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية وهي خليدة تومي التي تحولت إلى مروّج لسياسات الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة وللنظام الحاكم الذي يمثل مصالحه، وأخرى في وزارات أخرى وفي مختلف أجهزة النظام مثل مجلس الأمة والمجالس العليا، بالإضافة إلى مناصب في السفارات والمحافظات والدوائر وغيرها.

أما حزب القوى الاشتراكية فإنه لم يفعل شيئا بخصوص الفرنسة الخطيرة والمزمنة للمحيط العام التي تهدد اللغة الأمازيغية واللغة العربية والهوية الوطنية ككل، وأكثر من ذلك فإن انفصال السيد عبدالكريم طابو عن هذا الحزب وتشكيله لحزب خاص به وبجماعته بعد أن كان أمينا عاما لحزب القوى الاشتراكية من عام 2007 لغاية عام 2011 قد لخص سببه الجوهري بقوله “حزب حسين آيت أحمد تحوّل إلى زوجة جميلة للسلطة، والمستقبل سيكشف تفاصيل صفقة الزواج ومهرها”.

كاتب جزائري

8